||   بسم الله الرحمن الرحيم | اللهم كُن لوليّك الحُجَّة بن الحَسَن صَلواتُكَ عَليه وَعَلى آبائه في هذه السّاعة وفي كُلّ سَاعَة وَليّاً وَحَافِظا وَقائِداً وَ ناصراً ودَليلاً وَ عَينا حَتّى تُسكِنَه أرضَك طَوعاً وَتُمَتِعَه فيها طَوِيلاً | برحمتك يا أرحم الراحمين   ||   اهلا وسهلا بكم في الموقع   ||  
إتصل بنا         


  




 208- مباحث الاصول -الفوائد الأصولية (الدليل العقلي) (1)

 39- فائدة روائية: عدم سؤال الرواي عن بعض خصوصيات المسالة لا يكشف عن عدم مدخليتها في الحكم

 221- مباحث الأصول: (القطع) (2)

 105- فائدة ادبية نحوية: الاحتمالان في (ال) الذهني او الذكري او الحضوري

 17- (ليظهره على الدين كله)3 الرسول الأعظم في مواجهة مشركي العصر الحديث

 151- فائدة حكمية: ما هو عالم الاعتبار؟

 213- مباحث الاصول: الفوائد الأصولية (الدليل العقلي) (6)

 38- من فقه الحديث: الفرق بين الاعلم والافقه في لسان الروايات

 شورى الفقهاء

 61- أقسام البيع



 استقرار العراق وتقدمه هدفان لا تراجع عنهما

 السابع عشر من ربيع الأول انبلاج نور النبوة الخاتمة في مكة المعظمة

 التشيّع مصان ومحفوظ بقوّة غيبية والتشكيك والمعادي مصيرهما الخيبة والزوال

 رزايا العنف وغلق قنوات الحوار



 موسوعة الفقه للامام الشيرازي على موقع مؤسسة التقى الثقافية

 استراتيجية مكافحة الفقر في منهج الإمام علي (عليه السلام)

 المرابطة في زمن الغيبة الكبرى (المقدمات ، المتقدمات ، المُمَهِّدَات ، المسؤوليات)

 نقد الهرمينوطيقا ونسبية الحقيقة والمعرفة

 فقه الرشوة

 204- مناشئ الانحراف والضلالة : الغرور والاستعلاء والجهل الشامل

 حجية مراسيل الثقات المعتمدة - الصدوق و الطوسي نموذجاً -

 الأجوبة على مسائل من علم الدراية

 205- مناشيء الانحراف والضلال : المؤامرات الدولية على الاديان والمذاهب وموقع مراكز الدراسات وبلورة الرؤى في المعادلة

 203- محاكمة اسلحة الفرق الضالة : الايحاء المغناطيسي والخدع العلمية ومغالطة الكبرى والصغرى



  • الأقسام : 65

  • المواضيع : 2850

  • التصفحات : 3371981

  • التاريخ : 18/12/2017 - 16:38

 
 
  • القسم : الفوائد والبحوث .

        • الموضوع : 139- من فقه الحديث: قوله (عليه السلام): ((إنّ من الأشياء أشياء موسعة وأشياء مضيقة)) .

139- من فقه الحديث: قوله (عليه السلام): ((إنّ من الأشياء أشياء موسعة وأشياء مضيقة))
27 جمادى الأولى 1438هـ

من فقه الحديث: قوله (عليه السلام): ((إنّ من الأشياء أشياء موسعة وأشياء مضيقة))*

روى في بصائر الدرجات بسند صحيح[1]: ... عن عبد الأعلى بن أعين قال: ((دخلت أنا وعلي بن حنظلة على أبي عبد الله(عليه السلام) فسأله علي بن حنظلة عن مسألة،  فأجاب فيها، فقال رجل: فإن كان كذا وكذا، فأجابه فيها بوجه آخر، وإن كان كذا وكذا فأجابه بوجه، حتى أجابه فيها بأربعة وجوه، فالتفت إلى علي بن حنظلة قال: يا أبا محمد، قد أحكمناه، فسمعه أبو عبد الله فقال: لا تقل هكذا يا أبا الحسن، فإنك رجل ورع، إنّ من الأشياء أشياء ضيقه وليس تجري إلا على وجه واحد، منها: وقت الجمعة ليس لوقتها إلا واحد حين تزول الشمس، ومن الأشياء أشياء موسعة تجري على وجوه كثيرة، وهذا منها، والله إن له عندي سبعين وجهاً))[2].
وفي البصائر أيضاً: عن ابن سنان، عن علي بن أبي حمزة، قال: ((دخلت أنا وأبو بصير على أبي عبد الله(عليه السلام) فبينا نحن قعود إذ تكلم أبو عبد الله(عليه السلام) بحرف فقلت أنا في نفسي: هذا مما أحمله إلى الشيعة، هذا والله حديث لم اسمع مثله قط،  قال: فنظر في وجهي ثم قال: إني لأتكلم بالحرف الواحد لي فيه سبعون وجهاً، إن شئت أخذت كذا، وإن شئت أخذت كذا))[3].
وفي الكافي الشريف: ...عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: ((إن من الأشياء أشياء موسعة وأشياء مضيقة، فالصلاة مما وسع فيه تقدم مرة وتؤخر أخرى، والجمعة مما ضيق فيها، فإن وقتها يوم الجمعة ساعة تزول ووقت العصر فيها وقت الظهر في غيرها))[4].
 
من فقه قوله (عليه السلام): ((إن من الأشياء أشياء موسعة وأشياء مضيقة))
قوله (عليه السلام): ((أشياء موسعة تجري على وجوه كثيرة)) يتضمن بيان جانبي الثبوت والإثبات، أما جانب الثبوت فتشير له (أشياء موسعة)، و(أشياء مضيقة) وهي المبنى والمرجع الثبوتي للوجوه الكثيرة، وأما جانب الإثبات فهو (تجري على وجوه كثيرة)؛ إذ حيث كانت موسعة ثبوتاً جرت على وجوه كثيرة إثباتاً: أما الوجوه الكثيرة إثباتاً فمنشؤها ـ في عالم الدلالات والحجج ـ إما التورية بأقسامها الأربعة، التي بيّناها في موضع آخر، أو المعاريض بتفسيراتها المختلفة، ومنها: الحجج الخفية، وهذان هما ما عقد هذا الكتاب لأجل بحثهما، وأما الاشتراك المعنوي أو اللفظي أو الحقيقة والمجاز أو الكناية، وهذه هي التي تبحث في علم الأُصول وفي علم البلاغة، عادة.
 
الوجوه المتحملة في قوله (عليه السلام): أشياء موسعة
ثمّ إنَّ قوله (عليه السلام): ((أشياء موسعة)) يحتاج إلى بحث في محتملاته، والمراد منه، فنقول: ذكر الأعلام ـ على ما وجدت ـ في معنى الروايتين[5] وجهين[6]، وسنضيف لها أخرى:
الوجه الأول: الشقوق المختلفة الجلية
ما استظهره العلامة المجلسي بقوله: ((بيان: لعل ذكر وقت الجمعة على سبيل التمثيل والغرض بيان أنه لا ينبغي مقائسة بعض الأمور ببعض في الحكم، فكثيراً ما يختلف الحكم في الموارد الخاصة، وقد يكون في شيء واحد سبعون حكماً بحسب الفروض المختلفة))[7].
وتوضيحه بالمثال: إن حكم المسافر يختلف عن حكم الحاضر، ويختلفان عن حكم المشتبه؛ إذ عليه أن يحتاط بالجمع في بعض الصور، وكذا حكم البنت الواحدة مع البنتين فالأكثر مع الأُخوة، وبدونهم في الإرث، وهكذا حكم الجهالة في البيع المغتفرة[8] في الصلح وهكذا.
ولكن أشكل الميرزا مهدي الإصفهاني على المجلسي (قدس سرهما) بقوله: ((ولو كان اختلاف الجواب من جهة اختلاف شقوق المسألة فاختلف لذلك الحكم كما توهمه بعضٌ لم يكن وجه لقول علي بن حنظلة هذا باب قد أحكمناه ولا لنهي الإمام إياه لبداهة اختلاف حكم المضيّق باختلاف بعض الشقوق المفروضة فيه فلم يكن وجه ولا ربط لما فصَّله الإمام في ذيل الرواية أيضاً))[9].
وتوضيحه: إن اختلاف المسألة باختلاف شقوقها من البديهيات، فلا وجه على هذا لقول علي بن حنظلة: (هذا باب قد أحكمناه) سواء أكان استنكارياً[10] وهو بعيد، أم فخرياً[11]، ولَما كان وجهٌ لنهي الإمام عنه؛ إذ هذا المعنى مما لا ينكره أحد.
أقول: لكن إشكال الميرزا لا يرد على العلامة المجلسي ظاهراً؛ إذ المستظهر أن المجلسي يقصد وجهاً آخر لا ما فهمه منه الإصفهاني، ولو تم توجيهنا لكلام المجلسي فبها، وإلا فإنه وجه جديد لا بأس به في حد ذاته، وهو:
الوجه الثاني: الشقوق المختلفة خفيَّة الفوارق
إن المراد اختلاف أحكام المسألة باختلاف الشقوق التي يتوهم السامع اندراجها في جامع واحد، واشتمالها على ملاك تام واحد، غفلةً عن الواقع، وإن هذه  الشقوق على أصناف، ولها أحكام مختلفة تبعاً؛ إذ قد يكون لبعض الشقوق المندرجة تحت بعض الأصناف ملاك أو ملاكات مزاحَمة، أو قد يوجد لها مانع، أو قد يكون الموجود في صنف ليس تمام الملاك، بل يكون جزءه، أو يكون أحد الملاكات على سبيل البدل.
والحاصل: إن السامع قد يتوهم اتحاد أحكامها لاتحاد موضوعها، ولكن الإمام(عليه السلام) أجاب بأحكام مختلفة على طبق الواقع الخفي على السامع.
مثال ذلك: ما لو سأل عن حكم بيع كيلو من الحنطة الجيدة بكيلو ونصف من الرديئة، فأجابه الإمام(عليه السلام) بالحرمة، وسأله عن بيع ثلاث بيضات جيدة بأربع رديئة فأجابه بالجواز، فإنّ السامع ـ غير العارف بالمسألة من قبل ـ يتصور اتحاد الموضوعين فالحكمين قهراً، غافلاً عن اندراج الأول في المكيل والموزون، واندراج الثاني في المعدود، وإن هناك فرقاً حقيقياً[12] بينهما ـ وإن خفي عنا ـ أوجب اختلاف الحكمين.
وكذلك حكم الربا مع الضميمة المعتنى بها فلا بأس، أو غير المعتنى بها ـ كعلبة الكبريت ـ فلا يجوز وهكذا.
ويؤكد إرادة المجلسي هذا الوجه الثاني قوله: ((لعل ذكر وقت الجمعة على سبيل التمثيل))[13]، وقوله: ((في الموارد الخاصة))[14]، فتدبر.
الوجه الثالث: مقصود الإمام (عليه السلام) تخصيص الوجوه بالموسعات
وهو ما استظهره الميرزا الأصفهاني، حيث قال: ((الظاهر ـ كما قلنا ـ إن السؤال كان عن حكم مسألة واحدة، ولما كان عدم التعويل على المنفصل فطريا ظاهرياً كان يتحقق الإطلاق والعموم في كل جواب، فعند تعدد الجواب عند اختلاف التقادير المفروضة تحقق الاختلاف فيها، فتحمَّل علي بن حنظلة تلك الأجوبة المختلفة، ولكن لما كان ظاهر كلامه إمكان ذلك في الأمر المضيق مَنَعَهُ الإمام(عليه السلام) عن ذلك التوهم فصرَّح بان المسألة التي سألها كانت من الأمر الموسع الذي يجري الكلام فيه من ولي الأمر على وجوه بحسب اختلاف الأشخاص والحالات والأوقات ثم حلف بان له عندي سبعين وجهاً وطوراً من الجواب، فهي صريحة في أن التورية والتكلم على سبعين وجها خاص بالأمر الموسع من الأحكام لا المضيّق منها فضلاً عن غير الأحكام))[15].
توضيحه مع إضافة: إنّ من الفطريات ـ لا مما بنى عليه العقلاء فقط ـ أن المتكلم لو أراد خلاف ظاهر كلامه ـ من تقييد أو تخصيص أو مجاز ... ـ فإنه لا بد أن يأتي بقرينة متصلة؛ إذا كان بصدد إفهام مراده الجدي، وعليه: فلو لم يأتِ بقرينة دل على أن الإطلاق مراد له فإذا أجاب الإمام بجواب أفاد أنه كذلك على كل التقادير ـ للإطلاق اللفظي أو المقامي ـ فإذا وجدنا أن الإمام قد قَرن جوابه على شقٍ بأجوبة عديدة أخرى متخالفة كانت قرينة التقارن بينها دليلاً على عدم الإطلاق في أيّ منها، وأنه في كل شقٍ أراد صورة خاصة بخصوصية خاصة، فمثلاً عندما قال(عليه السلام): ((إذا كان ظلك مثليك فصل العصر))[16]، وكذا قوله(عليه السلام): ((إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين، إلا أن هذه قبل هذه))[17]، أو وصلّ عند الزوال  بعد الفراغ من الظهر[18]، حُمِلا على مراتب الفضل؛ إذ هما في الموسعات.
وحيث إن هذا واضح أيضاً في الجملة، فقد انتقل علي بن حنظلة من كون هذا هو الحكم العام في الموسعات إلى كونه الحكم العام في المضيقات أيضاً، فردعه الإمام (عليه السلام) ـ حسب كلام الميرزا ـ عن التعميم، وأوضح له اختصاص الأجوبة المختلفة التي تلغي الإطلاق بباب الموسعات. ولعله ستأتي مناقشة بعض كلماته بإذن الله تعالى .
ولا يخفى أن هذا الوجه أخص مطلقاً من الوجه السابق والأسبق.
 
تنبيه: شمول الموسعات والمضيقات للأحكام الوضعية
إن مورد الموسعات والمضيقات ليس خصوص الأحكام، كما لعله ظاهر بعض الكلمات[19]؛ إذ يشمل الوضعيات أيضاً[20]، فإن بعض الوضعيات موسعة وبعضها مضيق.
فمن الأول: ألفاظ النكاح: من أنكحتك نفسي، أو زوجتك أو متعّتك، أي: سببيتها لوقوع النكاح.
ومن الثاني: اشتراط الشاهدين في وقوع الطلاق، فإنه مضيق، فلو تعسر الشاهدان لم يكتف بالواحد، وهكذا.
كما أنَّ بعض التكليفيات كذلك: فمن الموسعات: الواجبات التخييرية كخصال الكفارة، فإنها موسعة عكس التعيينية، فإنها مضيقة[21]، وكذلك الواجبات الكفائية كغسل الميت وكفنه ودفنه، عكس العينية فإنها مضيقة.
الوجه الرابع: تعدد المطلوب في (المضيقات  فالموسعات)
إن المقصود هو المضيقات فالموسعات بنحو تعدد المطلوب.
وتوضيحه: إن بعض الأحكام التكليفية أو الوضعية مضيقة لا بديلَ طولي لها لدى فقدِ بعض أركانها أو شرائطها، فتسقط حينئذٍ بالمرة؛ وذلك عكس بعض الأحكام الأخرى، فإنها وإن كانت مضيقة لا بديل عرضي لها، إلا أن لها بديلاً طولياً عند فَقدِ بعض ما له المدخلية في مطلوبيتها، وذلك إذا كانت بنحو تعدد المطلوب.
فمن الأول: اشتراط الشاهدين العادلين في الطلاق، فإنه لو فقدت العدالة أو العدد فلا طلاق حتى لو فرض العسر والحرج[22]، وكذلك اشتراط أن يكون الطلاق في غير طهر المواقعة، واشتراط أن لا يكون مكرَهاً.
وذلك على العكس من اللفظ في الطلاق، فإنه وإن كان مضيقاً إلا أن له بديلاً طولياً بنحو تعدد المطلوب على فرض عدم قدرته على النطق، فإن الأخرس تكفيه الإشارة لإيقاعه.
 
حكم فاقد الطهورين:
ولنمثل بمثال هام مختلف فيه، وإنه من قبيل تعدد المطلوب، فهو مضيق فموسع، أو لا، فهو مضيق له حد واحد، ولا يجري إلا على وجه واحد،  فقد ذهب المشهور شهرة عظيمة إلى أن فاقد الطهورين تسقط عنه الصلاة[23]؛ إذ (لا صلاة إلا بطهور)، وعليه فالصلاة بالنسبة للطهورين ضيّقة ولا بديل طولي لها، فيما ارتأى السيد الوالد (رحمه الله) ونادر من الفقهاء[24] عدم سقوطها مستدلاً بـ(لا تسقط الصلاة بحال) فالصلاة عنده مضيّقة فموسعة، أي: تنتقل إلى بديل طولي.
 
النسبة بين دليلي (لا صلاة إلا بطهور) و(لا تترك الصلاة بحال):
وتحقيق ذلك مبني على تحقيق حال النسبة بين الدليلين: ((لا صلاة إلا بطهور))[25]، و(لا تترك الصلاة بحال)[26]: فقد يقال: إنّ (لا صلاة إلا بطهور) واردة على (لا تترك الصلاة بحال)؛ وذلك لأنّ الأصل في (لا) أنها نافية للجنس، فتفيد الرواية الأولى نفي ماهية الصلاة عند فقد الطهورين، وأنه لا يمكن تحققها أبداً، فلا يبقى موضوع لـ(لا تترك الصلاة بحال)؛ إذ تنقِّح رواية (لا صلاة إلا بطهور) موضوع (لا تترك الصلاة بحال) .
وبعبارة أخرى: تفيد رواية (لا صلاة...) أن الصلاة هي سالبة بانتفاء الموضوع مع فقد الطهورين، ومع عدم إمكان وجود الموضوع لا يتحقق موضوع (لا تترك الصلاة...) ـ وهو الصلاة ـ ليشمله (لا تترك).
وبعبارة ثالثة: لا بد من فرض إمكان الصلاة ليقال (لا تتركها)، ومع ورود (لا صلاة إلا بطهور) يعلم أن الطهور داخل في قوام الصلاة، وأنه ركن لها أو فصل، وأنها تنتفي بانتفائه، فلا يعقل إيجادها، فكيف يمكن تكليف المكلف بالإتيان بها، خاصة بلحاظ أن الصلاة حقيقة مخترعة شارعية؟
ولمخالف المشهور أن يجيب بأن (لا صلاة إلا بطهور) محمولة على صورة القدرة والإمكان، فهي ـ من وجهٍ ـ كـ ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب))[27]، فلو كان الطهور معسوراً أو غير مقدور فإنه لا يسقط الميسور بالمعسور. والحاصل: حمل (لا) النافية للجنس على صورة إمكان الطهور.
لكن قد يشكل عليه بأنه خلاف الظاهر لا يصار إليه إلا بدليل، وأجاب السيد الوالد(رحمه الله) عن ذلك بذكر بعض الأدلة على ذلك فراجع موسوعة الفقه[28]، وأجاب السيد الحكيم في المستمسك[29] بحاكمية (لا تسقط الصلاة بحال) على (لا صلاة إلا بطهور) فراجع وتأمل.
وليس الغرض الآن تبني أحد الرأيين، بل الإشارة فقط إلى أن الصلاة مضيقة بدون توسعة طولية أبداً بالنسبة لفاقد الطهورين، على المشهور، وإن دليلهم هو ذاك، وإنها موسعّة طولياً حسب رأي الأقل من الفقهاء بدليل آخر، فتدبر.
ولا يخفى أن هذا الوجه ـ الرابع ـ لا يتنافى مع الوجه الثاني، بل يكمِّله ويتمِّمه.
الوجه الخامس: ولاية التربية والتزكية
إن الموسعات موسعات في دائرة ولاية التربية والتزكية ونظائرها مما سيأتي، وبها تفسر جملة كبيرة من الروايات الواردة في مسائل شتى.
 
ولاية التربية من مناصب الرسل والأوصياء:
توضيح ذلك: إن من مقامات الإمام(عليه السلام) مقام ولاية تربية الأمة وتزكيتها، كما دلت عليه الروايات[30]، وسيأتي بعضها.
 
للمعلم ولاية التربية أم لا:
وللتقريب للذهن نمثل بالمعلم، فإنه يفرض على طلابه ويلزمهم بالدرس، وبالاستعداد للامتحان والمشاركة فيه وبالنظام الخاص، وسيرة العقلاء وبناؤهم على أن له حق عقوبتهم ـ بقدرٍ ـ إذا خالفوا، وما ذلك إلا لأنهم يرون له ولاية التعليم، وأنه لو لم تكن له هذه الولاية لأدى الأمر إلى الفوضى في المدرسة، وإلى تخلف الطلاب فالأمة والبلاد.
ومن المحتملات: إنه ليست له ولاية ذلك، بل لا يملك إلا الحض والحث والترغيب والعتاب، كما أنَّ من المحتملات أن ولايته على ذلك ـ على فرضها ـ هي شعبة من ولاية المؤمنين، استناداً لقوله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ...)[31] .
ولئن نوقش في ذلك فإن النقاش هو في مدى دلالة الأدلة الشرعية على ولايته بالاستقلال، أو بلحاظ تفويض الأب له، أو بلحاظ تفويض المجتمع أو المؤمنين، أو الدولة أو الفقيه له ـ على فرض قبول أحدها ـ أو بلحاظ دخول الطالب في عقد اجتماعي مشروط عند دخوله المدرسة، على فرض تمامية أركان هذا العقد وقبول مشروعيته.
أقول: لئن نوقش في المعلم فإنه لا نقاش في أن هذه الولاية ثابتة للرسل والأوصياء، وبالأدلة الكثيرة الآتي بعضها.
 
للفقيه ولاية التربية أم لا:
نعم، يبقى الكلام في أن ولاية التربية والتزكية هل هي للفقيه أيضاً؟ إن ذلك يعتمد على تنقيح أدلة تفويض أمر التربية، أو ولاية التربية حتى مع قطع النظر عن ثبوت أدلة ولاية الفقيه المطلقة؛ إذ قد يقال ـ كما هو المشهور[32]ـ بعدم تماميتها، لكن يمكن[33] لمن ينفي ولاية الفقيه استناداً لعدم تمامية أدلته أن يثبت ولايته التربوية فقط، استناداً لسلسلة أخرى من الأدلة خاصة ببعد التربية والتزكية، إن تمّت.
 
تطبيقات فقهية محتملة لولاية التربية:
ولنشر الآن إلى أمثلة فقهية من الروايات فيما يرتبط بالمعصومين (عليهم السلام) وإلى أمثلة أخرى مما ترتبط بالفقيه:
فمن الأول: إنه يمكن[34] تفسير الروايات التي ظاهرها وجوب غسل الجمعة[35]، والتي أفتى بها النادر من الفقهاء بذلك[36]، أي: بأن وجوبها كان من باب ولاية تربية الأمة، وعليه فهي ليست حكماً أولياً، بل هي حكم ثانوي خاص بزمنه، وهذا التفسير هو غير التفسير الآخر الذي حملها على تأكد الاستحباب[37]، كما لا يخفى، فتدبر.
كما يمكن تفسير عدد من الروايات الدالة على وجوب زيارة الإمام الحسين(عليه السلام)[38] بذلك أيضاً، وإنها كانت من باب ولاية التربية في تلك الأزمنة.
وعليه: فلو قلنا بامتداد هذه الولاية للفقيه فإن له أن يفرض زيارة الإمام الحسين(عليه السلام) أو الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)[39] أو سائر المعصومين (عليهم السلام) في وقت خاص أو أكثر، لو رأى توقف التربية والتزكية على ذلك.
ومن الثاني: إن للفقيه ـ فيما لو قلنا بامتداد ولاية التربية له ـ أن يحرِّم الاختلاط في الجامعة والمدارس مثلاً، وإن لم يكن بعنوانه الأولي ما لم يخالطه محرم، ولم يؤدّ إلى محرمٍ، وذلك إذا رأى توقف التربية عليه، وله أن يحرم بالتداخل بين السلطات لذلك أيضاً[40].
ولنختم بذكر إحدى الروايات التي تفيد تفويض ولاية التربية ـ في ضمن تفويض أربعة أمور ـ إلى الرسول الأعظم والأئمة(عليهم السلام)، وهي: عن محمد بن سنان قال كنت عند أبي جعفر(عليه السلام) فذكرت اختلاف الشيعة، فقال: ((إن الله لم يزل فرداً متفرداً بالوحدانية، ثم خلق محمداً وعلياً وفاطمة (عليهم السلام) فمكثوا ألف دهر، ثم خلق الأشياء وأشهدهم خلقها، وأجرى عليها طاعتهم، وجعل فيهم ما شاء، وفوض أمر الأشياء إليهم، في الحكم والتصرف والإرشاد والأمر والنهي[41] في الخلق؛ لأنهم الولاة، فلهم الأمر والهداية، فهم أبوابه ونوّابه وحجابه، يحللّون ما شاء ويحرّمون ما شاء، ولا يفعلون إلا ما شاء، عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون. فهذه الديانة التي من تقدمها غرق في بحر الإفراط، ومن نقصهم عن هذه المراتب التي رتبهم فيها زهق في بحر التفريط، ولم يوف آل محمد حقهم فيما يجب على المؤمن من معرفتهم. ثم قال: خذها يا محمد، فإنها من مخزون العلم ومكنونه))[42].
الوجه السادس والسابع[43]: تفويض أمر الدين والأمة للمعصومين (عليهم السلام)
ويمكن تفسير: (ومن الأشياء أشياء موسعة) الواردة في الرواية السابقة، والذي يتضح وجه كونها موسعة أيضاً وسببها، بدائرة ما فُوِّض من أمور الدين إلى المعصومين(عليهم السلام)، وما عدا ذلك فهو من المضيقات، التي قال عنها الإمام(عليه السلام): ((إن من الأشياء أشياء ضيقة))، وكذلك ما فُوِّض من أمور الأمة إليهم، لأنهم ولاة الأمر بقول مطلق.
فقد جاء في الكافي الشريف: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن فضيل بن يسار[44]، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول لبعض أصحاب قيس الماصر: ((إن الله عز وجل أدب نبيه فأحسن أدبه، فلما أكمل له الأدب قال: (إِنَّكَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ)، ثم فوض إليه أمر الدين والأمة ليسوس عباده، فقال عز وجل: (ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)، وإن رسول الله(صلى الله عليه وآله) كان مسدداً موفقاً مؤيداً بروح القدس، لا يزل ولا يخطئ في شيء  مما يسوس به الخلق))[45].
-----------------------------------------
 
 
[26] انظر: الكافي 3: 99، ح4، وفيه:.. عن حريز، عن زرارة قال: قلت له: ((النفساء متى تصلي؟ فقال: تقعد بقدر حيضها وتستظهر بيومين، فإن انقطع الدم وإلا اغتسلت واحتشت واستثفرت وصلّت، فإن جاز الدم الكرسف تعصبت واغتسلت، ثم صلت الغداة بغسل والظهر والعصر بغسل والمغرب والعشاء بغسل، وإن لم يجز الدم الكرسف صلت بغسل واحد، قلت: والحائض؟ قال: مثل ذلك سواء، فإن انقطع عنها الدم وإلا فهي مستحاضة تصنع مثل النفساء، سواء ثم تصلي ولا تدع الصلاة على حال، فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله) قال: الصلاة عماد دينكم)).
[38] انظر: الكافي 4: 581، ح 3، وفيه: عن يزيد بن عبد الملك قال: ((كنت مع أبي عبد الله(عليه السلام) فمر قوم على حمير، فقال: أين يريد هؤلاء؟ قلت: قبور الشهداء، قال: فما يمنعهم من زيارة الشهيد الغريب؟ فقال رجل من أهل العراق: وزيارته واجبة؟ قال: زيارته خير من حجة وعمرة وعمرة وحجة، حتى عد عشرين حجة وعمرة، ثم قال: مقبولات مبرورات، قال: فوالله ما قمت حتى أتاه رجل فقال له: إني قد حججت تسع عشرة حجة فادع الله أن يرزقني تمام العشرين حجة، قال: هل زرت قبر الحسين(عليه السلام)؟ قال: لا، قال: لزيارته خير من عشرين حجة)).
 

  طباعة  ||  أخبر صديقك  ||  إضافة تعليق  ||  التاريخ : 27 جمادى الأولى 1438هـ  ||  القرّاء : 768



 
 

برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net