||   بسم الله الرحمن الرحيم | اللهم كُن لوليّك الحُجَّة بن الحَسَن صَلواتُكَ عَليه وَعَلى آبائه في هذه السّاعة وفي كُلّ سَاعَة وَليّاً وَحَافِظا وَقائِداً وَ ناصراً ودَليلاً وَ عَينا حَتّى تُسكِنَه أرضَك طَوعاً وَتُمَتِعَه فيها طَوِيلاً | برحمتك يا أرحم الراحمين   ||   اهلا وسهلا بكم في الموقع   ||  
إتصل بنا         


  




 193- 4- مقاييس الاختيار الالهي : الجمع لإشراط الطاعات والاعداد المتواصل للنجاح في المنعطفات الكبرى

 92- بحث اصولي: المعاني العشرة للحجة

 أطر العلاقة الحقوقية بين الدولة والشعب والمؤسسات (3)

 162- صيانة القران الكريم عن التحريف

 30- قال تعالى: (يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) (البقيع) الجرح النازف

 130- من فقه الحديث: تحليل قوله صلى الله عليه وآله: (ورجلاً احتاج الناس اليه لفقهه فسألهم الرشوة)

 136- كيف ننصر رسول الله (ص) ؟

 8- أمير المؤمنين عليه السلام في آية الولاية

 138- الفعل مولوي وإرشادي كـ(الأمر)

 91- فائدة أدبية صرفية: صيغ المبالغة وتجردها عن معنى المبالغة



 في غيبته يلزم العمل بالتكليف

 تاريخ الدول الشيعية وإشكالية الغياب الثقافي

 لا للحكومات الدينية الاستبدادية

 الدنيا مغتنم فاغتنموها فيما يرضي الله وأهل البيت



 موسوعة الفقه للامام الشيرازي على موقع مؤسسة التقى الثقافية

 استراتيجية مكافحة الفقر في منهج الإمام علي (عليه السلام)

 المرابطة في زمن الغيبة الكبرى (المقدمات ، المتقدمات ، المُمَهِّدَات ، المسؤوليات)

 نقد الهرمينوطيقا ونسبية الحقيقة والمعرفة

 فقه الرشوة

 حجية مراسيل الثقات المعتمدة - الصدوق و الطوسي نموذجاً -

 204- مناشئ الانحراف والضلالة : الغرور والاستعلاء والجهل الشامل

 203- محاكمة اسلحة الفرق الضالة : الايحاء المغناطيسي والخدع العلمية ومغالطة الكبرى والصغرى

 205- مناشيء الانحراف والضلال : المؤامرات الدولية على الاديان والمذاهب وموقع مراكز الدراسات وبلورة الرؤى في المعادلة

 الأجوبة على مسائل من علم الدراية



  • الأقسام : 58

  • المواضيع : 2666

  • التصفحات : 2644116

  • التاريخ : 25/06/2017 - 17:01

 
 
  • القسم : الفوائد والبحوث .

        • الموضوع : 172- مباحث الاصول : (السيرة العقلائية) .

172- مباحث الاصول : (السيرة العقلائية)
16 رمضان 1438هـ

مباحث الاصول : (السيرة العقلائية)*
جمع واعداد: الشيخ عطاء شاهين
 

الفائدة الأولى: لأهمية السيرة العقلائية كان من الجدير أن يُعقد لها باب خاص في كتب الأصول .
 كان من الجدير أن يُعقد للسيرة العقلائية بحث خاص في كتب الأصول لكثرة مباحثها وتنوعها ،  كما عُقد لبحث خبر الثقة والظواهر والإجماع المنقول وغيرها ،  بل هي أولى ؛ لأنها  بالإضافة إلى كونها حجة فهي أهم الأدلة على كثير من الحجج الأخرى ، بل تعدّ [1] أمّ الحجج   ؛ إذ يستدل بها على حجية خبر الثقة وعلى سيرة المتشرعة وعلى حجية الظواهر وغير ذلك [2] .

الفائدة الثانية: يمكن الاستدلال على حجية السيرة العقلائية  بقاعدة اللطف والأولوية  .
إن مقتضى وجوب اللطف عقلاً على البارئ تعالى  - بالنظر إلى حكمته  -  هو حجية سيرة العقلاء بما هم عقلاء فيما انطبق على دوائر الاطاعة والمعصية [3] ؛ إذ كيف يعقل أن يجعل الله تعالى حجته الباطنة مما تضل جميع العقلاء ؟
إضافة إلى أولوية القول بحجية السيرة العقلائية من القول بحجية الإجماع المحصّل،  سواء أقلنا بحجيته من باب الدخول أم التشرف  أم اللطف أم الحدس [4] ؛  وذلك لما ذهب إليه صاحب الجواهر من  أن السيرة المتشرعية هي أعظم من الإجماع  [5] ؛ فإنها تضم العلماء وعامة الناس جميعاً ؛
إذا كانت السيرة المتشرعية أعظم من الإجماع فإن السيرة العقلائية أولى بالحجية ؛ لكونها أعظم من المتشرعية ، إذ أنها تضم المتشرعة وسائر العقلاء جميعاً .
 وعلى هذا فإن السيرة العقلائية لو كانت حجة من باب اللطف  ؛  فإنها لا يشترط فيها الإمضاء ولا الاتصال كما يظهر بأدنى تدبر[6].

الفائدة الثالثة: يمكن أن يستدل على حجية السيرة العقلائية ببرهان الغرض .
الغرض على أنواع ثلاثة: الغرض من الخلقة، والغرض من البعثة، والغرض من التكليف،  فما دل  على الأول قوله تعالى:  (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ) [7] وما دل على الثاني قوله تعالى: (مَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ) [8] وما دل على  الثالث قوله تعالى: (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ) [9]  .                          

وهنا لا يتصور أن تكون سيرة العقلاء بما هم عقلاء على خطأ؛ إذ كيف يقول تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ) ثم يجعل حجته الباطنة – وهي العقل – تُضِل الجميع؟ وكيف يقول تعالى : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ)  ثم يأذن لحجته الباطنة بأن تنهض في جميع الخلق في مقابل حجته الظاهرة فتضلهم جميعاً! .
وكيف يأمرهم تعالى بـ(اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) ثم يجعل حجته الباطنة سبباً لوقوعهم  جميعاً في الخطأ ؟ فلابد أن يكون العقل الفطري معصوم من الخطأ كعصمة النبي والإمام المعصوم صلوات الله  عليهم  بنفس الأدلة.
وإذا كان ذلك كذلك ؛ فإن سيرة العقلاء بما هم عقلاء لا تحتاج إلى إمضاء ولا اتصال ؛ لأنه كأنما يقال: إن قول النبي صلى الله عليه وآله وفعله وتقريره بحاجة إلى إمضاء [10].

الفائدة الرابعة: يمكن أن يستدل على حجية السيرة العقلائية بقول الصديقة الطاهرة عليها السلام  (وإمامتنا أماناً من الفرقة)  .
حيث إن الظاهر أن المراد من الأمان هنا هو الأمان التكويني ثم التشريعي ؛  وعليهما يتم الاستدلال أيضاً.
وقد يقال : إنه لا يصح الالتزام بظاهر الرواية  ؛ إذ التاريخ  يشهد أنه رغم وجود إمامتهم فقد افترقت الأمة؟
والجواب: إن القضية مشروطة ، أي إذا تمسكوا بهذه الإمامة لا يقع الاختلاف  ، إذ ظاهر الإمامة هي الإمامة المجعولة من الله تعالى  ، لا القيادة الميدانية والخلافة الظاهرية ؛  إذ ببركة إمامتهم توفرت الضمانة التي حالت دون انحراف جميع الأمة وافتراقها بقضها وقضيضها [11] عن الحق ، ولولاهم لأجمع الناس على الباطل في أمور كثيرة.
وعلى هذا فإن السيرة العقلائية تكون حجة من غير حاجة إلى إمضاء أو اتصال ؛  إذ لا يعقل مع كون إمامتهم أمانا من الفرقة أن يجتمع العقلاء كافة - بما فيهم المسلمون -  على باطل.
والحاصل:  إن كون إمامتهم  أمانا تكوينياً من الفرقة هو عصمة العقلاء عن مفارقة الحق جميعاً  ؛ لذا إن اجتمعوا على أمر كشف ذلك عن تسديد غيبي دون ريب.
أما  لو كان المراد أن إمامتهم  أمان تشريعي من الفرقة، فيكون بوجوب اتّباعهم منع الأمة من أن يجمعوا على باطل ،  أو أنه جعل إمامتهم واجبة بحيث لو امتثلوا أمرها لما افترقوا عن الحق  ، والأمر فيه كسابقه [12] ، فتأمل[13] [14].

الفائدة الخامسة: أن منشأ السيرة العقلائية هو الفطرة المرتكزة في الأذهان والطباع ، وليس منشأها الفطرة المرتكزة في الأذهان فقط كما ادعاه الميرزا النائيني قدس سره  .
قال الميرزا النائيني قدس سره :  ((وأما طريقة العقلاء: فهي عبارة عن استمرار عمل العقلاء بما هم عقلاء على شيء سواء انتحلوا إلى ملة ودين أو لم ينتحلوا، ومنهم المسلمون، وسواء كان ما استمرت عليه طريقتهم من المسائل الأصولية أو من المسائل الفقهية ... ولا إشكال أيضاً في اعتبار الطريقة العقلائية وصحة التمسك بها؛ فإن مبدأ الطريقة العقلائية لا يخلو: إما أن يكون لقهرِ قاهرٍ وجبرِ سلطان جائر قَهَرَ جميع عقلاء عصره على تلك الطريقة واتخذها العقلاء في الزمان المتأخر طريقة لهم واستمرت إلى أن صارت من مرتكزاتهم ، وإما أن يكون مبدؤها أمر نبي من الأنبياء بها في عصر حتى استمرت، وإما أن تكون ناشئة عن فطرتهم المرتكزة في أذهانهم حسب ما أودعها الله تعالى في طباعهم بمقتضى الحكمة البالغة حفظاً للنظام، ولا يخفى بُعد الوجه الأول ،  بل استحالته عادة  ، وكذا الوجه الثاني ، فالمتعين هو:  الوجه الثالث )) [15].
ونقول : إن السيرة قد تنشأ عن الفطرة المرتكزة في الأذهان والعقول ، وقد تنشأ كذلك عن الفطرة المرتكزة في الطباع ؛ فكان الأولى أن يقول : ((المرتكزة في أذهانهم  أو طباعهم))  إذ هما أمران ؛ لأنه ليس كل ما ارتكز في الطباع  كان مرتكزاً في الأذهان .
وتوضيح ذلك :إن السيرة العقلائية تارة تنشأ عن فطرةٍ  فطر الله الذهن أو العقل عليها ، وهذه السيرة   لا نجدها في سلوك الحيوان ، كما في أصالة ثبات اللغة  وعدم النقل  وحجية الظهورات اللفظية من عمومات وإطلاقات  فإنها سالبة بانتفاء الموضوع في الحيوان.
وتارة أخرى تنشأ عن فطرةٍ فطر الله الطبع عليها ، وهذه السيرة نجدها سيالة في سلوك الحيوان أيضاً، كما في الاستصحاب لدى الشك في الرافع أو المانع ؛ فإن مقتضى الفطرة المركوزة في طباع الإنسان والحيوان هو البناء على الحالة السابقة لدى الشك [16].
 والحاصل : أن السيرة العقلائية على الاستصحاب منشؤها في الجملة الفطرة المركوزة في الطبع، نعم ، قد يقال : إن مثل الاستصحاب لدى الشك في المقتضي على القول به -خلافاً للشيخ -  منشؤها الفطرة المركوزة في الذهن ، فتأمل [17].
 الفائدة  الثالثة:إذا كان منشأ  السيرة الفطرة فلا تتوقف حجيتها على الإمضاء والاتصال بزمن المعصوم عليه السلام  ؛ لأن حجيتها حينئذ ناشئة من جعل الله وتكوينه .
ونستنتج من كلام الميرزا النايئني قدس سره  ونفرّع على مبناه أمراً مهماً ،  وهو  أنه لا يشترط في حجية السيرة على هذا المبنى الإمضاء ولا عدم الردع الكاشف عنه ،  بل ولا الاتصال بزمن المعصوم عليه السلام  وإن كان الاتصال متحقق قهراً  إلا أنه ظرفاً  وليس قيداً أو شرطاً ؛ وذلك لأن منشأ السيرة إن كان هو الفطرة -كما صرح به  - فهي  حجة بلا شك ؛  إذ هي كما قال تعالى :(فطْرَةَ الله الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) [18] فهي كالكتاب  والسنة  والعقل ؛ فكما لا يصح القول: إن حجية الكتاب والسنة  والعقل متوقفة على  الإمضاء وعدم الردع [19] أو على اتصال العقل  بزمن  الشارع ؛ كذلك لا يصح القول : بتوقف حجية الفطرة على الإمضاء والاتصال.
نعم ، لا بد من عدم وجود حجة أقوى على الخلاف [20] ، لكن هذا شرط في حجية الكتاب والسنة أيضاً .
والحاصل:  نحن إذا بنينا على أن مبدأ سيرة العقلاء هي الفطرة – كما ذهب إليه الميرزا وكما هو الحق في بعض السِيَر على الأقل  -  فسوف تكون حجة مطلقاً من غير تتوقف على إمضاء المعصوم عليه السلام والاتصال بزمانه ؛ لأن حجيتها لا تصبح  ناشئة من الحجة الظاهرة -وهو الشرع - كي تحتاج إلى إمضائه، بل تكون ناشئة من فعل الله وتكوينه المباشر  وجعله إياها حجة باطنة[21].

الفائدة السادسة: حجية العقل أو الفطرة  غير متوقفة على وجود حجة أقوى منهما ؛ لأنها ناشئة من فعل الله وتكوينه  ، وأما حجية الكتاب والسنة فهي متوقفة على عدم المعارض .
 إن الكتاب والسنة حجة لو لم تقم حجة أقوى على الخلاف ، أما العقل في مستقلاته والفطرة في مواردها  فلا يصح فيها حتى هذا القيد؛ إذ لم يجعل الله العقل والفطرة حجيتن وكاشفين أو حاكمين إلا بعد إحراز  كل الجهات  ، وأن العقل كاشف تمام الكاشفية عن كل ما له المدخلية في الحكم أو الحاكم ، وكذا الفطرة، عكس الكتاب والسنة [22] ، حيث أمكن تفكيك الإرادة الجدية عن الاستعمالية ؛ فتوقفت الحجية على عدم المعارض الدال على عدم انعقاد الإرادة الجدية من قبل، أما العقل والفطرة فاحكامهما أو كاشفيتهما فعلية تامة منجزة ؛ فلا يمكن قيام حجة على الخلاف ، فتأمل.
وهنا ظهر أمران:
الأمر الأول: عدم تمامية ما فرعه الميرزا النائيني على مبناه ،  بقوله : ((فإنها إذا كانت مستمرة إلى زمان الشارع  ، وكانت بمنظر منه ومسمع ،  وكان متمكنا من ردعهم، ومع هذا لم يردع عنها ؛ فلا محالة يكشف كشفاً قطعياً عن رضاء صاحب الشرع بالطريقة، وإلا لردع عنها كما ردع عن كثير من بناءات الجاهلية، ولو كان قد ردع عنها لنقل إلينا لتوفر الدواعي إلى نقله.
الأمر الثاني: أنه لا يحتاج في اعتبار الطريقة العقلائية إلى إمضاء صاحب الشرع لها والتصريح باعتبارها، بل يكفي عدم الردع عنها، فإن عدم الردع عنها مع التمكن منه يلازم الرضاء بها وإن لم يصرح بالإمضاء )) [23]  ، إذ ظهر أن حجية الفطرة ذاتية وبفعل الله تعالى مباشرة ؛ فهي كحجية الكتاب لا تحتاج إلى إمضاء ، أو عدم ردع كاشف عن الرضا ، بل هي  فوقها كما سبق[24].

الفائدة السابعة: أن تقييد الميرزا حجية السيرة العقلائية  بكون الإمام عليه السلام متمكناً من الردع غير تام ، لأن هذا التقييد  يكون مستدركاً.
إن تقييد الميرزا  حجية السيرة ًبكون  المعصوم متمكناً من الردع غير تام حتى فيما لو توقف على عدم الردع [25] ؛  لأن هذا التقييد  يكون مستدركاً[26] ؛ لوضوح أنه لا يراد بالردع هنا الردع السلطوي الحكومي أو التكويني كي يقال : بأن الشارع غير قادر على ردع الناس أو العقلاء، بل المراد به الردع التشريعي ؛ وهو أن يُبرز هذا الحكم ويقول: بأن هذا حجة أوليس بحجة كما صنع مع القياس ،  أو يقول:  هذا حرام أو حلال  كما صنع مع حرمة ذبائح أهل الكتاب ،  أو بطلان التبني أو غير ذلك  ، ولا شك في قدرة المعصومين عليهم السلام على ذلك في زمن  ما، خاصة مع امتداد السيرة العقلائية وامتداد إمامتهم لأكثر من مأتي عام ، فكيف يعقل أن لا يكون الإمام قادراً على إبراز الحكم ولو لبعض أصحابه بحيث يصل إلينا ،  مع أنه قد أبرز ما هو أصعب منه كنجاسة الكافر ، وبطلان التبني ، وغير ذلك من أمور .
بعبارة أخرى: أن الردع النظري ممكن للأئمة عليهم السلام في كل ما يحتاجه الناس [27]، سواء كان بإنشاء أو إبراز نفس الحكم  أو الكلي الذي ينطبق عليه ، وموطن الكلام والحاجة هو الردع النظري دون الردع العملي ؛ إذ نريد منه استكشاف إمضاء الشارع للسيرة وعدمه [28] .
بحث تمريني :عدم استيعاب التقية لكافة الأزمنة:
 إن التقية يمكن تصورها في إبراز حكم في مجلس ما، ولا يمكن تصورها في أصل إبراز الحكم في فترة تمتد عشرات السنين وفي مختلف الظروف التي مرّ بها الأئمة بين تراخي قبضة السلطات-  أو حتى محاولتها استرضاء الإمام - وبين شدتها ؛ والذي يدل على ذلك أنه ما من حكمٍ صدر  تقيةً إلا وقد أبان الإمام عليه السلام بنفسه أو عبر أحد أصحابه  أو أحد الأئمة اللاحقين عليهم السلام أن  صدوره كان لأجل التقية.
ومنه يظهر : أن رد السيد الخوئي قدس سره لمن استدل بالسيرة العقلائية أو المتشرعية - على كون الحيازة  سبب الملك للأراضي العامرة بالأصل والتي حللها الأئمة للشيعة، حتى للمخالف أو الذمي؛ لأن الشارع لم يكن يستطيع الردع [29] -  غير تام ؛  لما أوضحناه من قدرته على إبداء الحكم الواقعي، كما ابدى سائر الأحكام وإن لم يستطع الردع بمعنى الردع التكويني أو السلطوي .
وبعبارة أخرى: عدم القدرة على الردع العملي [30] ؛ لا يستلزم عدم القدرة على الردع القولي[31] .

الفائدة الثامنة: لا  مجال لتوهم عدم حجية السيرة العقلائية لاحتمال  كونها ناشئة من الفتوى أو المسامحة أو عدم  المبالاة في الدين ؛  بعد ما قلنا : إنها ناشئة من الفطرة.
 لا مجال لتوهم عدم حجية السيرة العقلائية من جهة احتمال كونها ناشئة من المسامحة ، أو قلة الاهتمام في الدين ،  أو كونها ناشئة عن فتاوى الفقهاء ؛  فإن هذه  الأمور لا مسرح لها في السيرة العقلائية -خاصة على مبنى الميرزا من كونها ناشئة من الفطرة -  بل أن وردت فإنها ترد في السيرة المتشرعية [32].

الفائدة التاسعة: الحكمة من السيرة العقلائية لا تنحصر بحفظ النظام فقط ، بل هناك مصالح أخرى كمصلحة التسهيل على المكلفين .
إن السيرة العقلائية لا تنحصر بكون مبدئها الفطرة التي اقتضتها الحكمة البالغة حفظاً للنظام، بل قد تكون لمصلحة التسهيل، كما قد تكون لمنافع أخرى وإن لم يختل النظام بعدمها.
فمن مصلحة التسهيل: سيرة العقلاء على حجية قول أهل الخبرة ومنهم الفقيه ؛ فإن منشأها الفطرة المرتكزة في الأذهان بمقتضى الحكمة البالغة تسهيلاً على المكلفين ؛ إذ كان يمكن أن يجعل الباري الفطرة بحيث لا تُرى الحجية لقول الثقة الواحد  ،  كما لو قال لا بد من كونهما – مثلاً-  اثنين كطبيبين أو مهندسين  أو فقيهين ؛إذ لا شك في أنه أكثر استيثاقاً ، وأقوى في الاطمئنان ،  وأقرب للإيصال للواقع ،  وأبعد عن الخطأ ؛  مع أنه لم يكن يلزم من جعل الحجة مجموع القولين - أي بشرط الانضمام ، كما في الشاهدين -  اختلال النظام ، بل كان يلزم منه صِرف العسر والحرج في الجملة [33] .
والحاصل: أن مصلحة التسهيل - لا مصلحة حفظ النظام - اقتضت أن يودع الله تعالى في طباع البشر وأذهانهم كفاية الرجوع للخبير الواحد  ؛ وهي التي اقتضت جريان سيرة العقلاء على ذلك.
والمقام من هذا القبيل ؛ فإن مصلحة التسهيل اقتضت جريان السيرة على التبعيض في الرجوع لأهل الخبرة مع أنه لا يلزم من عدمها اختلال النظام.
كما قد تكون المصلحة بوجود منافع أخرى ؛ كما في جريان السيرة على كون الحيازة سبباً للتمليك[34]؛ فإن عدمها لا يلزم منه اختلال النظام ؛ إذ يمكن أن يجعل الحيازة سبباً لحق الاختصاص فقط وبه يرتفع محذور اختلال النظام ؛ فكونها سبباً للتمليك لوجود فائدة أخرى لا لدفع اختلال النظام، والفوائد المتصورة متعددة [35]، فتدبر[36].

الفائدة العاشرة: أن حصر الميرزا النائيني  السيرة العقلائية بالأمور الثلاثة غيرتام ؛ لأنه  يمكن أن يكون العقل والتباني والقوتين الغضبية والشهوية منشأً لها .
 كان على الميرزا النائيني قدس سره  أن  يضيف لمناشئ السيرة الثلاثة [37] التي ذكرها  مناشئ أخرى :
أولاً:العقل
فإن العقل في مستقلاته قد يكون هو المنشأ للسيرة ؛ والعقل غير الفطرة لغة وعرفاً واصطلاحاً، إلا أن يريد بالفطرة الأعم تجوزاً، وفيه ما لا يخفى ، إضافة إلى عدم وجود  وجه وجيه له.
ثانياً: التباني
 إذ يمكن أن يكون منشأ السيرة العقلائية تباني العقلاء من أهل العالم في مجمع عام ، خاصة في الأزمنة السحيقة التي كان البشر فيها قلة محدودة ومعدودة، وهذا وإن كان مستبعداً فيما نستظهره  ولكن ذكره كمنشأ أولى من ذكره منشأين اعتبرهما قدس سره مستحيلين عادة  [38] .
ثالثاً ورابعاً: القوتان الغضبية والشهوية
 إن القوة الغضبية والقوة  الشهوية كل منهما يمكن أن يكون منشأً للسيرة ، فإذا كانت إحدى هاتين القوتين منشأً للسيرة فتسميتها بالسيرة البشرية أولى من تسميتها بالسيرة العقلائية ؛ لظهور الوصف في كونها من حيث هم عقلاء [39] ، فتدبر.
فمثلاً: قد يدعى بأن سيرة الناس – وفيهم العقلاء – من كل الملل والنحل جارية على النظر للأجنبية [40] ؛  فإذا سلمنا أن السيرة العقلائية على ذلك [41]  فلا يكون  منشأ هذه السيرة  العقل ،  بل يكون المنشأ لها هو القوة الشهوية ؛ وحينئذٍ فلا تكون هذه السيرة  حجة إلا بعد الإمضاء ، فإن لم يكن - وأن  الكاشف عنه وهو عدم الردع  -  فلا حجية لها ولا تدل على الإباحة [42].
وكذلك قد يدعى بأن سيرة الناس في كل الأصقاع على ضرب الأخ الأكبر لأخوته  ، ومعلوم أن منشأ هذه السيرة ليس العقل وإنما هو القوة الغضبية ؛ وعليه فلا تكون هذه السيرة حجة من دون إمضاء ، وبما أن الشارع قد أمضى  ضرب الأب لابنه بقدر التأديب كانت سيرة الآباء  هي الممضاة دون سيرة الأخوة [43].

الفائدة الحادية عشر: إذا كانت  القوة الغضبية أو القوة الشهوية منشأً للسيرة العقلائية  توقفت حجيتها على الإمضاء.
إذا احرزنا بأن منشأ السيرة هو الفطرة أو العقل أو المعصوم ؛  فهي حجة من غير توقف على الإمضاء ، وإن أحرزنا أن منشأها الطاغوت [44] أو القوة الشهوية أو الغضبية  توقفت حجيتها على الإمضاء، وإن شككنا في المنشأ توقفت حجيتها على الإمضاء أيضاً [45].

الفائدة الثانية عشر: كشف السيرة عن تقرير المعصوم (عليه السلام) يدل على قوله أيضاً؛ ولكنه لا ينفع في اثبات العموم منه لعدم وضوحه في ذلك .
إن كشف السيرة عن  تقرير المعصوم عليه السلام  يدل على قوله كذلك حتماً؛ لأن السيرة العقلائية يراد منها اكتشاف إمضائها بعدم الردع عنها، وصِرف التقرير ليس من الوضوح والقوة بحيث يكون في مستوى الردع عن السيرة المستقرة ؛ وعليه لابد من صدور الإمضاء أو الردع القولي منه  (عليه السلام) تأييداً لتلك السيرة أو ردعاً عنها ،  لذا نكتشف عموم الإمضاء للسيرة وأن القول عام لمختلف الظواهر من ذلك.
 نعم ، أن هذا الردع القولي أعم من كونه عاماً أو مطلقاً أو غير ذلك، فتدبر وتأمل[46].
الفائدة الثالثة : الفرق بين سيرة العقلاء و بنائهم  يكون بالمرجع والمصب والسعة .
الفرق الأول: أن المرجع في بناء العقلاء هو العقل[47]، لذا فهو لا يحتاج إلى ملاحظة سيرة الشخص الواحد منهم فضلاً عن جميعهم ، وأما المرجع في سيرة العقلاء فهو عملهم وسيرتهم، فلا يمكن – عادةً – اكتشاف سيرة العقلاء من الرجوع للعقل الصرف؛ لأن السيرة هي عمل يُرى أو يُسمع أو ما أشبه، كسيرتهم على الرجوع إلى الأطباء أو إلى أهل اللغة أو إلى الأعلم[48] .
الفرق الثاني: أن بناء العقلاء مصبّه العقل النظري ، وأما سيرتهم فمصبها العقل العملي؛ فيقال مثلاً : إن بناء العقلاء على حُسن العدل ، ولا يقال: إن سيرتهم على حُسن العدل ،  بل سيرتهم على العدل نفسه لا على حُسنه ، فإن الحسن غير قابل لتعلق السيرة به ، فإنه ليس بمادة أو مادي ولا هو جوهر ولا هو عرض من الأعراض التسعة، بل هو من المعقولات الثانية الفلسفية  لا المنطقية، فإنه مما كان الاتصاف فيها في الخارج والعروض في الذهن.
وبعبارة أخرى: أن الحُسن والقبح من الانتزاعيات لا الاعتباريات، خلافاً لما صار إليه المحقق الاصفهاني وتبعه الشيخ المظفر من أنه من المشهورات التي لا واقع لها وراء شهرتها.
الفرق الثالث: أن بناء العقلاء أعم من سيرتهم ؛ لأنه  كلما كانت سيرتهم على شيء[49] كان بناؤهم عليه ، إذ الغرض من الكلام عن سيرة العقلاء بما هم عقلاء ،  فلا يتوهم احتمال نشوئها من عامل خارجي مما لا يستلزم كون بنائهم عليه ،  فتأمل.
 ولا عكس كما ظهر من الفرق السابق ، ومن ذلك ظهر أن كون مصب بناء العقلاء العقل النظري هو بنحو اللابشرط لا بشرط لا؛ فإنه على السيرة أيضاً لكن ثانياً وبالعرض ، فتدبر.
وكما ظهر إمكان اكتشاف بناء العقلاء من سيرتهم، وإن صعب العكس أو لم يكن على إطلاقه[50].

الفائدة الثالثة عشر: يمكن كشف سيرة العقلاء من خلال بنائهم  والحدس، ولكن كشفها بالثاني لا يكون كشفاً تاماً خلافاً للأول.
يمكن اكتشاف السيرة من خلال بناء العقلاء  أومن خلال  الحدس ، لكن الحدس قد يُختلف فيه وقد يصيب أو لا يصيب ،  ثم إنه لا إطلاق له  ؛ حيث إنه لا يتيسر ذلك في العديد من السِّير ، وأما في بناء العقلاء فيكفي في كشف مرتكزاتهم وبنائهم ؛ لأن المكلف من جملتهم فيكون عقله مرآةً لسيرتهم بعد تجريده من المؤثرات ، وإنما يحدث الاختلاف بين العقلاء لتأثر عقول الأشخاص بالشبهات أو الأهواء والشهوات أو العصبية والقوة الغضبية أو للتقليد الأعمى أو للخلفيات الذهنية والمعرفية والنفسية[51].

الفائدة الرابعة عشر: من خلال طريقي التلقي والتدوين يتم استكشاف  السيرة العقلائية في زمن المعصومين (عليهم السلام)  .
أما الطريق الأول: وهو تلقي هذه السيرة يداً بيد وصولاً إلى عصر المعصومين (عليهم السلام) ؛ حيث إن كافة المتدينين الآن في كل البلاد يعملون بظواهر عمومات وإطلاقات وأوامر ونواهي المراجع ولا يطالب أحد منهم المرجع بالنص في العموم أو الوجوب، كما أن المراجع ووكلائهم يستعملون الظواهر في كلماتهم.
وعلى هذا لا مجال لحدوث هذه السيرة العامة التامة إلا بتلقيهم إيُاها يداً بيد وصولاً إلى عصر المعصومين (عليهم السلام) .
 لا يقال: عدم صحة هذا الاستدلال ؛ إذ لا صعوبة في تصور تحول السيرة بصورة تدريجية وبطيئة إلى أن تتمثل في السلوك المقابل بعد فترة طويلة من الزمن، وما هو صعب الافتراض التحول الفجائي العفوي، كما أن السلوك العقلائي ليس منبثقاً دائماً عن نكات فطرية مشتركة، بل يتأثر بالظروف والبيئة والمرتكزات الثقافية إلى غير ذلك من العوامل المتغيرة، فلا يمكن أن يعتبر الواقع المعاصر للسيرة دليلاً على ماضيها البعيد [52].
إذ يقال: إن التحول البطيء في السيرة وإن أمكن عقلاً، إلا أن الظاهر لا مصداق له ، أو أن له مصاديق نادرة جداً لا تُخِلّ بالظن النوعي ، بل الاطمئنان الحاصل للعقلاء بأصالة ثبات السيرة، والعجب ممن يعتمد أصالة ثبات اللغة مع كثرة التحولات فيها ويستشكل على أصالة ثبات السيرة رغم ندرة تحولها وتغيرها في عامة المتدينين إلى سيرة على الخلاف ، والمقصود سيرة المتدينين بما هم متدينون لا سيرتهم في العادات والتقاليد العرفية وشبهها.
بالإضافة إلى أن التحول وإن كان بطيئاً تدريجياً -خلال ألف سنة مثلاً-  إلا أنه لا يكاد يخفى، بل يستحيل عادة أن يخفى على كافة الأصوليين والفقهاء ، وعلى كافة المفسرين والمؤرخين وغيرهم.
وكيف يعقل تحول سيرة عامة تامة في مسألة عامة هامة وهي الطرق إلى مرادات الشارع، وهي محدودة لا تتجاوز العشرات في الأحكام والموضوعات، ثم لا يلتفت إلى ذلك مفسّر ولا مؤرّخ ولا فقيه ولا أصولي خاصة في مثل حجة الظواهر التي تعد الطريق لأكثر أحكام الشارع؟.
وأما الطريق الثاني: وهو بمراجعة كتب التاريخ والروايات والسير وغيرها إذ يمكن الاستدلال بها إيجاباً وسلباً ، أما الأول فعند التتبع لعشرات -بل مئات-  الموارد سوف نجد أن أصحاب المعصومين (عليهم السلام) قد اعتمدوا على الظواهر من غير نكير ولا عدول عنها لمجرد ظن شخصي بالخلاف، وهذا الاستقراء وإن كان ناقصاً لكنه حيث إنه معلّل[53] فهو حجة.
وأما الثاني فلعدم وجود مورداً واحداً أعرض فيه أحد الأصحاب عن عام أو مطلق أو شبههما مستنداً إلى ظنه الشخصي بالخلاف، ومنه نستكشف الإيجاب وأن بناءهم هو على حجية الظواهر مطلقاً[54].

الفائدة الخامسة عشر: إذا تطابقت حجية سيرة المتشرعة مع حجية سيرة المتشرعة لا تسقط الأولى منهما عن الحجية وإن كانت أسبق رتبة من الثانية .
إذا تطابقت حجية سيرة المتشرعة مع سيرة العقلاء لا تسقط الأولى منهما عن الحجية وإن كانت أسبق رتبة ،  ألا ترى السنة حجة بعد الكتاب ومع ذلك يستدل بالآية ثم الرواية ، ولا وجه للقول بعدم حجية الرواية لوجود آية تامة الدلالة على المدعى.
وبعبارة أخرى: ليس من شرائط الحجية عدم وجود حجة أقوى أو سابقة رتبةً ،  إلا إذا كان بتلك الحجة ينتفي موضوع الحجة اللاحقة كما في خبر الثقة بالنسبة للاستصحاب[55].

الفائدة السادسة عشر: إن سيرة المتشرعة أقوى في الحجية من سيرة العقلاء وبنائهم ؛ لتوقف الأولى على الإمضاء أو عدم الردع في الجملة ، خلاف الثانية الكاشفة بالبرهان الإنِّي عن قول الشارع أو تقريره .
إن سيرة المتشرعة هي الأقوى في الحجية من سيرة العقلاء وبنائهم   ؛ وذلك لتوقف حجية سيرتهم وبنائهم على إمضاء الشارع أو عدم ردعه الكاشف عن الإمضاء[56] ، عكس السيرة المتشرعية فهي غير متوقفة على الإمضاء لكاشفيتها بالبرهان الإنِّي عن قول الشارع أو تقريره.
وبعبارة أخرى: أن سيرة العقلاء وبنائهم في الطرق الشرعية مما لا يصح الاكتفاء بها؛ إذ أن الشارع حيث أتى بدين جديد كل الحقول[57] فإن من المحتمل جداً أن يكون قد أتى بطرق جديدة يعتبرها الحجة على مراداته أو أن يكون قد ألغى حججاً[58] أو قيّد الحجة العقلائية بقيود أو ألغى قيوداً.
 وعلى هذا كان من اللازم عقلاً على المتشرعة الرجوع إلى الشارع في استكشاف طرقه وحججه المعتمدة، فإذا كانوا في وجدناهم قد اعتمدوا على طريقةً وحجةً قد اعتمدها العقلاء كشَفَ ذلك عن تقرير الشارع لذلك أو عن دليل لفظي لم يصلنا ، فيكون تقرير الشارع أو دليله اللفظي هو الحجة ، فعادت السيرة إلى السنة[59] لا إلى بناء العقلاء أو سيرتهم.
ومن الواضح أن السنة هي حجة قائمة بذاتها وإن طابقت العقل أو بناء العقلاء ، اللهم إلا على دعوى الارشادية ، فتأمل[60] [61].

الفائدة السابعة عشر: يمكن اثبات سيرة المتشرعة من سيرة العقلاء ؛ لأنها كاشفة عن مرتكزات الشارع ، أو تضمن العقلاء لعقل الشارع ، بل هو سيدهم.
يمكن إثبات سيرة المتشرعة عن طريق الحدس الموجب للقطع ، أو الاطمئنان في أقل فروضه ؛ وذلك عبر مدخل سيرة العقلاء[62] ؛ ومثال ذلك سيرتهم على التبعيض : فإنه عند ملاحظة سيرة العقلاء نكتشف أن سيرة المتشرعة  على التبعيض كذلك ؛  لضرورة كونهم من العقلاء ، خاصة مع لحاظ أنه لم يصل لنا ردع من الشارع ولا من أحد من المتشرعة في  زمن المعصومين عليهم السلام عن هذه السيرة ، ولو كان لبان ؛ إذ الردع عن السيرة العقلائية المستقرة لا بد أن يكون بمستوى البيان والبلاغ لتتم الحجة ؛ ويشهد له أن السيرة العقلائية حيث كانت  - ولو في الجملة على القياس والاستحسان -  ورد الردع عنها من الشارع بشكل متظافر ، بل متواتر .
  مع أن سيرة العقلاء على التبعيض أقوى منها على القياس والاستحسان، ومع ذلك لم نجد آية ولا رواية رادعة عن التبعيض بين المتساويين ، وإن وُجِد استنباط من آية أو رواية فإنه لا يصلح رادعاً عن السيرة أبداً؛ ولذا انعقدت الشهرة على التخيير بين المتساويين ،  بل ذكر صاحب الجواهر التخيير بين الأعلم وغيره، فتأمل.
وقد يقال: بأن وجه حجية السيرة الذي به نستغني عن شرطي الاتصال والإمضاء هو الملازمة بين حجية شيء لدى العقلاء وحجيته لدى الشارع فهو كقاعدة الملازمة ؛ فيقال : كلما حكم به العقل حكم به الشرع ؛ فحيث كانت الملازمة ثبوتية بين حكمي العقل والشارع لم نحتج إلى دليل إثباتي على حكم الشارع من إمضاء وغيره، فكذلك هناك ملازمة ثبوتية بين حكم العقلاء وسيرتهم وحكم الشارع ؛  فلا وجه مع ذلك للتوقف على إمضاء من الشارع ؛ إذ هو كالقول : بحاجة حجج الشارع أو أحكامه إلى أمضاء منه ،والوجه في ذلك هو دعوى مرآتية عقول العقلاء لعقل الشارع [63] ، حيث إن سيرتهم كاشفة عن عقلهم[64]، وعقلهم أي مرتكزاتهم كاشفة عن مرتكزات الشارع ؛ وهي حجة دون ريب.
أو نقول: الوجه دعوى تضمن العقلاء لعقل الشارع وكونه منهم  ، بل هو سيدهم.
وإلى بعض ما ذكرناه اشار المحقق الاصفهاني  قدس سره حاكياً عن شيخه الآخوند الخراساني قدس سره  بقوله:  (ومبنى شيخنا الأستاذ قدس سره  في الاكتفاء  بنفس عدم ثبوت الردع هو : أن الشارع أحد العقلاء بل هو رئيسهم ؛ فهو بما أنه عاقل متحد المسلك معهم) [65] وذلك رداً منه على كلام الشيخ الحائري قدس سره [66] الذي رأى أن حجية السيرة منوطة برضا الشارع وإمضائه ؛ فعدم العلم به كافٍ في عدم الحجية،  فقال الشيخ الاصفهاني : ( ومبناه أنه لا ملازمة بين حجية شيء لدى العقلاء وحجيته عند الشارع فلا بد من إمضائه)  [67] فأجاب بما سبق ، فتدبر [68] .

الفائدة الثامنة عشر: إذا جرت سيرة العقلاء على شيء  لا يكفي بالردع عنها إلا بردع حسي  لرسوخ ذلك الشيء في النفوس.
إن  الطرق التي جرت عليها سيرة العقلاء لا تكفي في الردع عنها إلا بردع حسي ؛ لأنه بعد أن  أشتد  رسوخها  في النفوس أضحت كالطبيعة الأولية للناس ؛ كما  في سيرتهم  وراء خبر الثقة والظواهر واتباع رأي الخبراء وغير ذلك ؛ فإذا كان الشارع لا يرضى بهذه السيرة ولم يردع عنها كان ذلك منه إغراءً بالجهل  ، ولو أكتفى بالردع الحدسي -وهو قابل للأخذ والرد وليس بتلك الدرجة من الوضوح – لكان أيضاً إغراءً بالجهل .
وعلى هذا لابد أن يكون هناك تكافؤ بين ما جرت عليه سيرة العقلاء من القوة والرسوخ وبين قوة الرادع عنه حتى يمكن زحزحته ؛ كما رأينا ذلك في القياس ؛ فلكونه متمكناً في النفوس كانت الروايات الرادعة عنه واضحة وصريحة ،  وكانت من الكثرة بحيث  تكفي للردع عنه[69].
بحث تمريني : لو كانت سيرة العقلاء في الاجتهاد والتقليد لا يرضى بها الشارع لنهى عنها بقوة رسوخ  تلك السيرة .
ومما يؤكد ما ذكرناه أنه في الطرفين المتقابلين كان الشارع صريحاً وواضحاً جداً في القياس نهياً وفي العقود إمضاءً ؛ حيث إن العقود جرت عليها سيرة العقلاء كالقياس ؛ لكن الشارع حيث أراد إمضاء العقود جاءت منه عبارات صريحة تدل على ذلك ؛ كما في قوله تعالى :(أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) [70]  وقوله تعالى : (وَأَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ) [71] ، وحيث إنه أراد الردع عن القياس  فردع عنه بعبارات واضحة أيضاً ، و لا نجد في المقام صريحَ ردعٍ عن الاجتهاد والتقليد والاحتياط في الروايات ، ولو وردت بعض الروايات القابلة للنقاش فنقول : إن هذه الروايات غير كافية لاقتلاع سيرة العقلاء وبنائهم [72] .
--------------------------------------------------

 

* هذه المباحث الاصولية تجميع لما طرحه سماحة السيد في مختلف كتبه وبحوثه، قام باعدادها وجمعها و ترتيبها فضيلة الشيخ عطاء شاهين.
[1] إلى جوار بعض الحجج الأخرى.
[2] التبعيض في التقليد : ص96.
[3] أي فيما كانت صغرى السيرة العقلائية.
[4]  وقد ذكر أصحاب هذه الأقوال  في فوائد الأصول   ج 1 ص 150  بقوله :  اختلفت مشارب الأعلام في مدرك حجية الإجماع المحصل الذي هو أحد الأدلة الأربعة ، فقيل : إن الوجه في حجيته دخول شخص المعصوم عليه السلام في المجمعين ، ويحكى ذلك عن السيد المرتضى قدس سره  . وقيل : إن قاعدة اللطف تقتضي أن يكون المجمع عليه هو حكم الله الواقعي الذي امر المعصوم  عليه السلام بتبليغه إلى الأنام ، ويحكى ذلك عن شيخ الطائفة  قدس سره  . وقيل : إن المدرك في حجيته هو الحدس برأيه عليه السلام ورضاه بما أجمع عليه ، للملازمة العادية بين اتفاق المرؤسين المنقادين على شيء وبين رضا الرئيس بذلك الشئ  ويحكى ذلك عن بعض المتقدمين . وقيل : إن حجيته لمكان تراكم الظنون من الفتاوى إلى حد يوجب القطع بالحكم ، كما هو الوجه في حصول القطع من الخبر المتواتر .وقيل : إن الوجه في حجيته إنما هو لأجل كشفه عن وجود دليل معتبر عند المجمعين . ولعل هذا الأخير أقرب المسالك ، لأن مسلك الدخول مما لا سبيل إليه عادة في زمان الغيبة .
[5] قال في الجواهر ج6 ص 302 :  بل هو رحمه الله في نظمه حكى السيرة القاطعة التي هي أعظم من الإجماع ، فقال:
واحكم على الإنسان بالطهارة * مع غيبة تحتمل الطهارة
وهكذا ثيابه وما معه  * لسيرة ماضية متبعة
وهو كذلك ، فيقدم بسببها ظهور حال المسلم في التنزه عن النجاسات على الأصل .

[6] التبعيض في التقليد :103.
[7] سورة الذاريات: 56.
[8] سورة الذاريات: 56.
[9] سورة الانفال: 24.
[10] التبعيض في التقليد : ص113 .
[11] َيقال : جاؤوا قَضَّهم وقَضِيضَهم ، أَي جاؤوا  بجمْعهم  لم يدَعُوا وراءهم شيئاً ولا أَحَداً  ،  لسان العرب : ج7 ص222 .
[12] في النتيجة والاستنتاج أو الاستدلال .
[13] وحول هذا المقطع من خطبة الصديقة الزهراء سلام الله عليها  يراجع كتاب  من فقه الزهراء : ج2 ص379 - 386  للسيد الوالد قدس سره ، وكتاب  فقه التعاون على البر والتقوى :  ص135 - 156 .
[14] التبعيض في التقليد : ص 111.
[15] فوائد الأصول : ج3 ص192.              
[16] كعودتها إلى حظائرها وإن احتملت خرابها ، وعودتها إلى مكان تواجد امهاتها في السابق وإن احتملت تغييره  ، ويوضحه أكثر عودتها إلى مكان وضع طعامها عادة، فإذا رفع عادت إليه مرة ثم أخرى ثم تترك العودة إليه في المرة الثالثة أو بعدها؛ وما ذلك إلا لأن عودتها إليه في المرة الأولى لوجود الاطمئنان، وأما في المرة الثانية والثالثة فللظن أو الشك، ولذا لا تعود في المرات اللاحقة ، كما لا تترك العودة بمجرد عدم العثور عليه في المرة الأولى.
[17] التبعيض والتقليد: ص 196.
[18] سورة الروم: 30.
[19] وعدم الردع كاشف عن الإمضاء.
[20] ستأتي المناقشة في هذا الشرط وانه لا يمكن مخالفة أحكام الفطرة، لو كانت بالفعل أحكامها.
[21] التبعيض والتقليد : ص101.
[22] إذ أن كشف الكتاب والسنة بواسطة العقل وليس العكس ؛ لأن كشف العقل ذاتي وإن كانت فيوضاته وفتوحاته كلها من هبات الرحمن ، قال تعالى:( فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ) سورة الأنبياء : 79 ، فالعقل هو الكاشف لأمر الله ونهيه ؛ لذا روي في الكافي: ج1 ص10  ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : لما خلق الله العقل استنطقه ، ثم قال له : أقبل فأقبل ،  ثم قال له : أدبر فأدبر ، ثم قال  وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحب إلي منك ولا أكملتك إلا فيمن أحب ، أما إني إياك آمر ، وإياك أنهى ، وإياك أعاقب ، وإياك أثيب .
[23] فوائد الأصول :ج3 ص192.
[24] التبعيض والتقليد : 96.
[25] أو قلنا: بالتوقف عليه.  
[26] وهو تحصيل حاصل مطلقاً.
[27] وإن لم يمكن لهم الردع العملي بسبب تسلط حكام الجور.
[28] التبعيض في التقليد : ص96.
[29] مصباح الفقاهة : ج5 ص402.
[30] أي: الردع بالجوارح .
[31] التبعيض والتقليد : ص 196.
[32] التبعيض والتقليد : ص 196.
[33] ولدفع العسر في الشهادة في بعض الحالات ، ذهب المحقق الكركي قدس سره في جامع المقاصد : ج14 ص 30 إلى الجواز في مسألة ظريفة  طرحها  بقوله :  هل يجوز النظر إلى فرج المرأة للشهادة على الولادة؟ وإلى ثدييها للشهادة على الرضاع؟ فيه الوجهان، ووجه المنع: الاكتفاء في ذلك بشهادة النساء، ووجه الجواز: دعاء الضرورة، حيث لا يوجد من النساء من يكون أهلا للشهادة، على ما في جمع النساء للشهادة ومعرفة عدالتهن، من العسر المنفي بالنسبة إلى الرجال، فالجواز لا يخلو من قوة  .
[34] وهي سيرة مركزة في الطباع لا الأذهان فحسب  ؛ ولذا نرى الحيوانات تجري عليها.
[35] فمنها: الفائدة النفسية، ومنها: أن الملكية تكون محرك أقوى في تنمية الفرد والمجتمع  في الاتجار ، والاستثمار ،  والزرع ،  وغيرها من أمور ، من مجرد حق الاختصاص ، ومنها غير ذلك .
[36] التبعيض والتقليد : ص 102.
[37] وهي : لقهرِ قاهرٍ وجبرِ سلطان جائر،  أو لأمر نبي من الأنبياء بها في عصره  حتى استمرت، أو تكون ناشئة عن فطرتهم المرتكزة في أذهانهم.
[38] وهما : أولاً: قهر سلطان جائر استولى على كل أو معظم الأرض ، فقهر الناس على سيرة فتطبعوا بها وسارت في الأجيال ،
  وثانياً : قول أو عمل نبي اقتدى به الناس جميعاً .
[39] وإن ورد على السيرتين الأوليين - اللتين ذكرهما الميرزا النائيني - مثل ذلك، فتدبر.
[40] إلا المتدين الذي يعصمه إيمانه وإن دفعته شهوته وغريزته.
[41] إذ قد تنكر هذا ؛ لكثرة العقلاء الذين لا يفعلون ذلك لغيرتهم وحميتهم ، وإن لم يكونوا متدينين أو لم ينطلقوا في سلوكهم من الدين
[42] وحيث إن الشارع أمضى النظرة الأولى جازت، أو حيث أمضى النظر للوجه والكفين دون شهوة وريبة جازت.
[43] التبعيض والتقليد : ص 103.
[44] وهو المنشأ الأول الذي ذكره الميرزا ، والذي عبر عنه بالسلطان الجائر .
[45]  التبعيض في التقليد: ص104.
[46]  مباحث التعارض: الدرس 77.
[47] أي عقل المكلف نفسه.
[48] على القول بها.
[49] كالرجوع للمهندسين -مثلاً- لدى الحاجة إلى بناء دار أو جسرٍ أو نفق.
[50] مبحث التعارض : الدرس 77.
[51] مبحث التعارض : الدرس 77.
[52] دروس في علم الأصول: ج1 ص115.
[53] بما سبق من النكات الارتكازية الثلاثة.
[54] مباحث التعارض : الدرس 73.
[55] بحث التعارض : الدرس 73.
[56] ولعل هذا في الجملة لا بالجملة  ؛ لأنه  تقدم في بعض الفوائد  أن ذلك يكون حسب منشأ السيرة : فإذا كان منشأ سيرة العقلاء هو الفطرة فهي حجة مطلقاً من غير توقف على إمضاء ولا على اتصال ؛ إذ ليست حجيتها ناشئة من الحجة الظاهرة وهي الشرع كي تحتاج إلى إمضائه، بل هي ناشئة من فعل الله وتكوينه المباشر  ، وجعله إياها حجة باطنة ، وأما إذا كان منشأ السيرة القوة الغضبية أو الشهوية فهي بحاجة إلى إمضاء .
[57] في العقيدة والشريعة، وفي السياسة والاجتماع والاقتصاد والحقوق، وفي شؤون الفرد والعائلة والمجتمع.. وحيث عارض الكثير جداً من العادات والتقاليد.. الخ.
[58] كالقياس مثلاً وكذا الاستحسان.
[59] فهي الكاشفة عنها.
[60] لوجوه، منها المبنائي كما فصلناه في كتاب : (الأوامر المولوية والإرشادية) في الضابط في المولوي، كما أشرنا إليه في بعض الدروس الماضية.
[61]  بحث التعارض : الدرس 73.
[62] فإنها تصلح بنفسها دليلاً كما تصلح كاشفاً عن سيرة المتشرعة أيضاً.
[63] أي النبي أو الإمام صلوات الله عليهم .
[64] أي المرتكز فيه .
[65] نهاية الدراية : ج2 ص 223 .
[66] مؤسس الحوزة العلمية في دينة قم المشرفة.
[67] نهاية الدراية: ج2 ص 223 .
[68] التبعيض : ص 75.
[69] كتاب التبعيض في التقليد: ص: 436 .
[70] سورة المائدة : 1.
[71] سورة البقرة : 275.
[72] التبعيض في التقليد: ص 138.

 

  طباعة  ||  أخبر صديقك  ||  إضافة تعليق  ||  التاريخ : 16 رمضان 1438هـ  ||  القرّاء : 125



 
 

برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net