||   بسم الله الرحمن الرحيم | اللهم كُن لوليّك الحُجَّة بن الحَسَن صَلواتُكَ عَليه وَعَلى آبائه في هذه السّاعة وفي كُلّ سَاعَة وَليّاً وَحَافِظا وَقائِداً وَ ناصراً ودَليلاً وَ عَينا حَتّى تُسكِنَه أرضَك طَوعاً وَتُمَتِعَه فيها طَوِيلاً | برحمتك يا أرحم الراحمين   ||   اهلا وسهلا بكم في الموقع   ||  


  




 309- الفوائد الأصولية: حجية الاحتمال (5)

 43- فائدة فقهية: صياغة جديدة للتبويب الفقهي

 117- المصوِّبة الجدد ونسبية المعرفة

 كتاب رسالة في التورية موضوعاً وحكماً

 3- بحوث في الولاية

 250- دور مقاصد الشريعة في تحديد الاتجاه العام للتقنين والتوجيه: الرحمة واللين مثالاً

 257- مباحث الأصول: بحث الحجج (حجية قول الراوي والمفتي والرجالي واللغوي) (4)

 فقه الرؤى

 299- وَلَا تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّه (4) فقه روايات السباب ومرجعية اهل الخبرة

 220- اليقين محور الفضائل وحقائق حول ( الشك) وضوابط الشك المنهجي ومساحات الشك المذمومة



 هل المطلوب إعادة هيكلة للنظام العالمي؟

 سيرة الإسلام في سيرة رسول الله (ص) في الرحمة والاخلاق

 برمجة العراق ثقافياً

 كيف نقفز من الانحطاط الى الارتقاء؟

 شباب العراق: من الهدر الى الاستثمار



 موسوعة الفقه للامام الشيرازي على موقع مؤسسة التقى الثقافية

 183- مباحث الاصول (مبحث الاطلاق) (1)

 351- الفوائد الاصولية: بحث الترتب (2)

 النهضة الحسينية رسالة إصلاح متجددة

 الأجوبة على مسائل من علم الدراية

 استراتيجية مكافحة الفقر في منهج الإمام علي (عليه السلام)

 قسوة القلب

 236- احياء أمر الامام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)

 نقد الهرمينوطيقا ونسبية الحقيقة والمعرفة

 161- مفردات ومصاديق مبادئ الاستنباط (8): علم الاديان الفقهي والاصولي المقارن



  • الأقسام : 73

  • المواضيع : 3749

  • التصفحات : 10261332

  • التاريخ : 3/06/2020 - 09:18

 
 
  • القسم : دروس في مبادئ الاستنباط .

        • الموضوع : الدرس السادس .

الدرس السادس
الثلاثاء 2 ذي الحجة 1439 هـ



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

 

مقوِّمات الاستنباط ومبادئه وشروطه

 

مدخلية الزمان والمكان في الاستنباط

ومن المسائل الهامة التي يتوقف عليها الاستنباط في الفقه مقدِّميةً، أو مقوِّميةً أو التي يتوقف عليها كمال الاستنباط أو الأعلمية، أو التي يتوقف عليها الحكم الشرعي نفسه – على المباني والمحتملات السابقة – مسألة مدخلية الزمان والمكان في الحكم الشرعي أو تأثيرهما في عملية استنباطه – وهما مطلبان فتدبر.

وقد كثر البحث عن هذه المسألة في الآونة الأخيرة، والمفروض ان يتصدى علماء الأصول وعلماء الكلام، بوجهين، لبحث المسألة من كافة جوانبها، وحيث لم يتسنّ ذلك حتى الآن فيما نعلم، كَثُر تخبط العديد من الفضلاء والمثقفين، كلّ منهم بنحوٍ أو في جهة وجانب.

وتحقيق ذلك يحتاج إلى بسط مقال، ولكننا، رعاية لوضع المنهج، نقتصر على أقل ما يجب من دون الخوض في تفصيل الأخذ والرد وعسى ان نوفق لذلك لاحقاً، فنقول: لا بد أولاً من تحرير محل الكلام وموضع النقض والإبرام وذلك بالبحث عن المفردات الواردة في عنوان المسألة: وهي (تأثير الزمان والمكان في استنباط الأحكام):

 

تحديد المراد بـ(تأثير) الزمان والمكان

أولاً: تحديد المراد من (التأثير) وانه هل المقصود ان الزمان والمكان مؤثران بنحو الكاشفية عن الحكم الشرعي أو هما مقارنان له، أو المراد انهما صانعان له  ومؤثران فيه بنحو العِلّية أو الاقتضاء أو الشرطية أو المانعية؟ أو المراد في مقابل ذلك: تأثيرهما في اجتهاد المجتهد وكيفية فهمه للأدلة واستنباطه منها أو في ترجيح بعض متعارضاتها على البعض الآخر أو في تقديم بعض المتزاحمات على البعض الآخر، دون التأثير ثبوتاً في نفس الأحكام؟

 

تحديد المراد بالزمان والمكان

ثانياً: تحديد المراد من (الزمان والمكان) وانه هل المراد الظرف أو المراد المظروف أي الزماني والمكاني؟ أي هل المراد تأثير نفس الزمان (بأي معنى فسّر وحسب أي مبنى([1])) والمكان في الحكم الشرعي أو في استنباط الفقيه للحكم؟ أو المراد تأثير الحوادث والتغييرات والتحولات والتطورات التي تقع في امتداد الأزمنة وحسب مختلف الأمكنة وانها هي التي تؤثر في نفس الحكم الشرعي أو في الاستنباط منه؟

 

تحديد المراد بـ(الحكم الشرعي): الأولي، الثانوي، الظاهري، الولوي...

ثالثاً: تحديد المراد من الحكم الشرعي وانه هل يراد: الحكم الشرعي الأولي (بقسميه الواقعي الأولي والواقعي الثانوي)؟ أو المراد الحكم الثانوي؟ أو المراد الحكم المولوي؟ أو المراد الحكم الظاهري؟ أو المراد النسخ بمعنى ان الزمان المتأخر (أو الزماني اللاحق) ناسخ للحكم السابق؟

1- والحكم الواقعي الأولي، كوجوب الصلاة والصوم والحج وحِلية العقود والإيقاعات المعهودة.

2- والحكم الواقعي الثانوي، كمفاد قاعدتي الإلزام والإمضاء حسب المنصور ولعله المشهور من انه حكم واقعي ثانوي، فلا هو واقعي أولي ولا هو ثانوي بالمعنى المصطلح كالضرري والحرجي، فمثلاً: لو ان المخالف طلَّق وهو غير مستجمع لشروط صحة الطلاق واقعاً، كما لو كان بغير حضور شاهدين عادلين أو كان في طهر المواقعة أو طلّق ثلاثاً – بناءً على انه باطل كما لعله أشهر القولين لا انه يقع واحدةً كما هو القول الآخر لدينا، وعلى كلا القولين روايات – فانها حسب المبنى المشهور في قاعدة الإلزام تبين منه واقعاً لا ظاهراً، مادام ذلك مذهب المخالف، عكس ما لو طلقها الشيعي ولو كان قاطعاً بالوفاق فانه لا يقع الطلاق ثبوتاً بل هي زوجته واقعاً، ولو علم أو قام ظني لديه بعدم تحقق الطلاق كان في عالم الإثبات كذلك.

3- والحكم الثانوي كالأحكام الضررية والحرجية والاضطرارية وشبهها كالـمُكره عليه وما وقع مقدمة لحرام أو واجب على الخلاف وما دخل في باب التزاحم.. وهكذا على تفصيلٍ.

 

أسئلة تمرينية: هل النذر([2]) والعهد واليمين من الأحكام الأولية أو الثانوية؟ وما حال الكفارات؟ وهل التقية([3]) حكم واقعي أولي أو واقعي ثانوي، أو ثانوي؟ أو ظاهري؟ وفي أي قسم يقع التيمم لمن لم يجد الماء؟

4- والحكم الظاهري هو مؤديات بعض الأصول كأصل البراءة على كل المباني، وكأصل الاستصحاب على أحد المبنيين؟

فرع تمريني: هل الاحتياط أصل أو امارة؟ وهل هو حكم واقعي أو ثانوي أو ظاهري؟

5- واما الحكم الولوي، فهو مبني على ولاية الفقيه الضيقة في الأمور الحسبية، أو على ولايته الواسعة في الشؤون العامة، فهل المراد من تأثير الزمان والمكان في الحكم الشرعي هو تأثيرهما في الأحكام الولوية وان الولي الفقيه تتغير أحكامه الولائية بتغير الأزمان أو الأمكنة أو بتغيّر ما يجري فيهما من الحوادث.

6- واما النسخ، فلا مجال لتوهمه إذ لا نسخ بعد الرسول صلى الله عليه واله وسلم، فكيف بدعوى النسخ بعد زمن الغيبة؟ على ان بعض الحداثويين التزم به ولو بعبارات أخرى كدعوى ان الأحكام الشرعية نزلت لزمان خاص ومكان خاص وانها لا تعمّ أزمنتنا مما تغيرت فيه الكثير من المعادلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفردية وغيرها، بل قال بعضهم ان القرآن نزل لزمان خاص ومكان خاص!

 

تحديد الحكم من حيث مرتبته

رابعاً: تحديد المراد من تأثير الزمان والمكان أو الزماني والمكاني على الحكم، انه على أية مرتبة من مراتبه؟ فهل المراد تأثيرهما في مرحلة الاقتضاء؟ أو مرحلة الإنشاء؟ أو مرحلة الفعلية؟ أو مرحلة التنجز؟ بمعنى ان الزمان والمكان اما هما مؤثران في مرحلة الاقتضاء والمصلحة والمفسدة فتنقلب الأحكام بتبع انقلاب المصلحة والمفسدة في الموضوع؟ أو هما مؤثران في إنشاء الشارع للأحكام؟ أو في فعليتها وإن كانت مُنشَئة من قبل، أو في تنجزها خاصة؟

إلفات: قسّم الآخوند الحكم إلى هذه الأقسام الأربعة، وأضفنا لها قسماً خامساً ببيان وجود مرتبتين بين الإنشاء والتنجز وليس مرتبة واحدة فقط هي الفعلية.

إلفات آخر: وذكرنا ان الحقّ ان الاقتضاء ليس من مراتب الحكم إلا مجازاً بل هو مقتضٍ له، وكذا التنجيز فانه استحقاق العقاب بالمخالفة وهو ليس بحكم شرعي فرعي.

خامساً: تحديد المراد من الأحكام وانه هل يراد بها الأحكام الشخصية؟ أو الأحكام النوعية مما كان من دائرة الشؤون العامة وفقه المجتمع؟

سادساً: وهل المراد تأثيرهما في تزاحم الأحكام الأولية بعضها مع بعض؟ أو في تزاحم الأحكام الأولية مع الثانوية؟ أو في تزاحم العناوين الأولية أو الثانوية مع الأحكام الولوية؟

 

هل هما مؤثران في كل أحكام الدين؟

ثم ان البحث، بشكل عام، قد يقع في ان الزمان والمكان مؤثران في كافة أحكام الدين؟ أو ليسا مؤثرين فيها إطلاقاً؟ أو بالتفصيل؟ فعلى التفصيل تكون هناك أحكام ثابتة وأحكام مؤقتة أو متحركة أو متغيرة بتغير الزمان والمكان مما سمّي بـ(الفقه المتحرك) أو المتطور أو المتحول.

 

مصب تأثير الزمان والمكان، أمور عشرة

إذا عرفت ذلك فنقول: ان مصبّ البحث في تأثير الزمان والمكان هو عشرة مواضع، وقد ذكر بعض الفقهاء خمسة منها وسنضيف لها خمسة أخرى، فلنبدأ بنقل مختارات من كلامه مع بعض التعليق ثم نضيف المواضع الخمس الأخرى مع مناقشات أخرى في بحث قادم بإذن الله تعالى.

قال: (إنّ لتغير الاَوضاع والاَحوال الزمنية تأثيراً كبيراً في استنباط الاَحكام الشرعية، والتأثير يرجع تارة إلى ناحية الموضوع وأُخرى إلى جانب الحكم، وإليك البيان:

 

1- تأثيرهما في صدق الموضوعات

الاَوّل: تأثير الزمان والمكان في صدق الموضوعات

قد يراد من تبدّل الموضوع تارة انقلابه إلى موضوع آخر كصيرورة الخمر خلاً والنجس تراباً، وهذا غير مراد في المقام قطعاً.

وأُخرى صدق الموضوع على مورد في زمان ومكان، وعدم صدقه على ذلك المورد في زمان ومكان آخر، وما هذا إلاّ لمدخلية الظروف والملابسات فيها.

ويظهر ذلك بالتأمّل في الموضوعات التالية:

1. الاستطاعة. 2. الفقر. 3. الغنى. 4. بذل النفقة للزوجة. 5. وإمساكها بالمعروف حسب قوله سبحانه: (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوف)([4]) فإن هذه العنوانات موضوعات لاَحكا محقّقاتها حسب اختلاف الزمان والمكان،...)

أقول: فان مقوِّم الاستطاعة في هذا الزمان لمعظم الناس السيارة أو الطائرة دون الخيل والبغال، عكس الأزمنة السابقة، والنفقة للزوجة تختلف باختلاف كونها حضرية أو قروية أو بدوية فيكفي الأخيرة من نوع الطعام واللباس والمنزل (كالخيمة) ما لا يعد نفقة للقروية أو الحضرية، والنفقة واجبة بحسب شأنها وشأن القروية يختلف عن شأن الحضرية كما ان شأن الزوجة الطبيبة يختلف عن شأن الزوجة الفلاحة فاللازم، على رأيٍ، ملاحظةُ شأنها، وعلى رأي آخر ملاحظة شأنها منسوباً إلى شأنه فيكون الوسط بينهما هو الملاك، كما لو كان طبيباً وكانت فلاحة أو العكس، وكذلك حال المكيل والموزون والمعدود إذ يختلف حال بعض البضائع، كالبيض مثلاً، في كونه معدوداً أو موزوناً، حسب المناطق أو الأزمنة، فإذا كان معدوداً لم يدخله الربا أي جاز بيع بيضة واحدة ببيضتين، وإذا كان موزوناً دخله الربا فلم يجز وهكذا

وقال: (2- في صدق المثلي والقيميّ، فقد جعل الفقهاء ضوابط للمثلي والقيمي، ففي ظلها عدّوا الحبوب من قبيل المثليات، والاَواني والاَلبسة من قبيل القيميات، وذلك لكثرة وجود المماثل في الأُولي وندرته في الثانية، وكان ذلك الحكم سائداً حتى تطوّرت الصناعة تطوراً ملحوظاً، فأصحبت تنتج كميات هائلة من الاَواني والمنسوجات لا تختلف واحدة عن الأخرى قيد شعرة، فأصبحت القيميات بفضل الازدهار الصناعي مثليات).

 

2- تأثيرهما في ملاكات الأحكام

وقال: (الثاني: تأثيرهما في ملاكات الاَحكام

لا شكّ انّ الاَحكام الشرعية تابعة للملاكات والمصالح والمفاسد، فربما يكون مناط الحكم مجهولاً ومبهماً وأُخرى يكون معلوماً بتصريح من الشارع، والقسم الاَوّل خارج عن محلّ البحث، وأمّا القسم الثاني فالحكم دائر مدار مناطه وملاكه.

فلو كان المناط باقياً فالحكم ثابت، وأمّا إذا تغيّر المناط حسب الظروف والملابسات يتغير الحكم قطعاً، مثلاً:

1. لا خلاف في حرمة بيع الدم بملاك عدم وجود منفعة محلّلة فيه، ولم يزل حكم الدم كذلك حتى اكتشف العلم له منفعة محلّلة تقوم عليها رحى الحياة، وأصبح التبرع بالدم إلى المرضى كإهداء الحياة لهم، وبذلك حاز الدم على ملاك آخر فحلّ بيعه وشراؤه.

2. انّ قطع أعضاء الميت أمر محرّم في الاِسلام، قال رسول اللّه صلى الله عليه واله وسلم: ((إيّاكم والمثلة ولو بالكلب العقور))([5]) ومن الواضح انّ ملاك التحريم هو قطع الاَعضاء لغاية الانتقام والتشفّي، ولم يكن يومذاك أي فائدة تترتّب على قطع أعضاء الميت سوى تلبية للرغبة النفسية ـ الانتقام ـ ولكن اليوم ظهرت فوائد جمّة من وراء قطع أعضاء الميت، حيث صارت عملية زرع الاَعضاء أمراً ضرورياً يستفاد منها لنجاة حياة المشرفين على الموت)([6]).

 

المناقشة

أقول: أولاً: الأصل في ملاكات الشارع انها ليست بأيدينا وان المذكور في لسانه، كما في كتاب علل الشرائع وغيره، هي حِكَم وليست عللاً، بل حتى المصرح به لا يعلم انه حِكمه أو علة إلا لو صرح بانه علة ولعله نادر جدا، بل حتى لو صرح بان هذه علة؛ وذلك لأن العلة تطلق على (المقتضي) في العرف كثيراً، مجازاً مشهوراً بل قد يقال بان إطلاقها عليه حقيقة؛ ألا ترى قولهم النار علة الإحراق مع انها مقتضي إذ لا تحرق إلا بتوفر شروط كالمحاذاة الخاصة وإنتفاء موانع ككون الخشب مطلياً بمادة عازلة أو رطباً جداً مثلاً، والحاصل: ان العلة العرفية علة لغوية حقيقةً وليست بمجاز، وعلى أي فقد فصّلنا الكلام في ذلك في بعض المباحث السابقة فراجع، هذا كبرى وهو وإن صرح بتسليمها إلا ان النقاش هو في ان تصريح الشارع بالعلية نادر مع انه لا يعلم انه يراد العلية الحقيقية بل العرفية كما سبق.

وثانياً: انه لا يكفي تنقيح المناط الظني في ملاك تحريم الدم بل لا بد من إحرازه قطعاً، وحينئذٍ نقول: انه لو أحرز قطعاً سابقاً وأحرز عدمه لاحقاً كان من تبدل الموضوع لأنه على هذا حيثية تقييدية لا تعليلية وإلا لما زال بزوال ذلك الملاك؛ وعليه يكون قد دخل في انقلاب الموضوع الذي ذكر انه غير مراد قطعاً! فتأمل.

وثالثاً: النقاش صغروياً بان العنوان الوارد في الروايات هو (الـمُثلة)، ولا ريب في عدم صدقها على قطع الطبيب كلية شخص لزرعها في بدن شخص آخر محتاج إليها، فليس ذلك من دائرة تأثير الزمان والمكان (أو التطورات الحاصلة فيهما) في ملاك الحكم، بل في صدق الموضوع، وهو القسم الأول مما ذكره.

كما مثّل بـ(3. دلّت الروايات على أنّ دية النفس توَدّى بالأنعام الثلاثة، والحلّة اليمانية، والدرهم والدينار، ومقتضى الجمود على النص عدم التجاوز عن النقدين إلى الاَوراق النقدية، غير انّ الوقوف على دور النقود في النظام الاقتصادي، وانتشار أنواع كثيرة منها في دنيا اليوم، والنظر في الظروف المحيطة بصدور تلك الروايات، يشرف الفقيه على أنّ ذكر النقدين بعنوان انّه أحد النقود الرائجة آنذاك، ولذلك يجزي دفعها من الاَوراق النقدية المعادلة للنقدين الرائجة في زمانهم، وقد وقف الفقهاء على ملاك الحكم عبر تقدّم الزمان)([7]) وإن ذلك لكذلك ولكن لا لإحراز الملاك([8]) بل لأن العرف، الملقى إليه الـحُكم عبر الأدلة، هو المرجع فيما يفهم من الدليل فانهم المرجع في المفاهيم وفي مداليل الألفاظ دون التطبيق، على المشهور، والعرف يفهم من النقدين في مثل المقام، وببركة مناسبات الحكم والموضوع وغيرها، الآلية المحضة، دون الموضوعية.

 

3- تأثيرهما في كيفية تنفيذ الحكم

وقال: (الثالث: تأثيرهما في كيفية تنفيذ الحكم

1. تضافرت النصوص على حلِّية الفيء والاَنفال للشيعة في عصر الغيبة، ومن الاَنفال المعادن والآجام وأراضي الموات، وقد كان الانتفاع بها في الاَزمنة الماضية محدوداً ما كان يثير مشكلة ، وأمّا اليوم ومع تطوّر الاَساليب الصناعية وانتشارها بين الناس أصبح الانتفاع بها غير محدود، فلو لم يتخذ أُسلوباً خاصاً في تنفيذ الحكم لاَدّى إلى انقراضها أوّلاً، وخلق طبقة اجتماعية مرفّهة وأُخرى بائسة فقيرة ثانياً.

فالظروف الزمانية والمكانية تفرض قيوداً على إجراء ذلك الحكم بشكل جامع يتكفّل إجراء أصل الحكم، أي حلّية الاَنفال للشيعة أوّلاً، وحفظ النظام وبسط العدل والقسط بين الناس ثانياً، بتقسيم الثروات العامة عن طريق الحاكم الاِسلامي الذي يشرف على جميع الشوَون لينتفع الجميع على حدٍ سواء)([9]).

 

المناقشة

أقول: فتح هذا الباب مشكل وإلا لصح القول بان السفر حيث تطور فلا يكون قطع مسافة 8 فراسخ موجباً للقصر إذ ليس مُتعِباً ولا مما يستغرق الساعات التي يستغرقها قطع 8 فراسخ بالدابة، فاللازم ان يكون القصر فيما إذا سافر بالطائرة خاصاً بما إذا استمرت الرحلة نهاراً كاملاً([10])، كما قاله نادر من العلماء. فتأمل ولعله يأتي لاحقاً مزيد بيان لذلك.

والحلّ: بعد الإذعان بتواتر الروايات الدالة على تملك الموات والمعادن بالحيازة أو الإحياء – على الخلاف – بل لعل ذلك من ضروريات الفقه بل الإسلام([11]) ان يقال بانها حيث كانت مجموع الأراضي والثروات لمجموع الناس بشهادة قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً)([12]) – على ما ذكره السيد الوالد وفصّلناه في مبحث آخر – كان لكلٍّ الحق في ان يحوز ويحيي من الأراضي والمعادن بالقدر الذي لا يجحف بالآخرين ولا يسلبهم مقدار حقهم العرفي في الحيازة والانتفاع بالثروات الطبيعية.

إضافة إلى اننا لم نجد في الروايات إحالة الأمر إلى الحاكم الشرعي، بل كانت الروايات صريحة بالإباحة لعامة المسلمين بل لعامة الناس، أو ظاهرة على الأقل من مثل ((فَإِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ وَلِمَنْ عَمَرَهَا))([13]) فراجع الجواهر والفقه تجد صدق ذلك.

 

4- تأثيرهما في كيفية النظر للمسائل

وقال: (الرابع: تأثيرهما في منح نظرة جديدة نحو المسائل

إنّ تغير الاَوضاع والاَحوال الزمنية تضفي للمجتهد نظرة جديدة نحو المسائل المطروحة في الفقه قديماً وحديثاً. ولنذكر بعض الاَمثلة:

1. كان القدماء ينظرون إلى البيع بمنظار ضيّق ويفسرونه بنقل الاَعيان وانتقالها، ولا يجيزون على ضوئها بيع المنافع والحقوق، غير انّ تطور الحياة وظهور حقوق جديدة في المجتمع الاِنساني ورواج بيعها وشرائها، حدا بالفقهاء إلى إعادة النظر في حقيقة البيع، فجوّزوا بيع الامتيازات والحقوق عامة)([14]).

 

المناقشة

أقول: لعل السبب في ذلك ليس تغيّر نظرة المجتهدين للمسألة، بل تحقق الموضوع عرفاً([15]) إذ كانوا لا يرون أصل ثبوت الحق في (التأليف) (الطبع) و(الاختراع) وغيرها فكان من السالبة بانتفاء الموضوع، أو كانوا يرون بعض الأمور حقاً (كحق السبق في المسجد أو غيره) لكن لم يكونوا يرون له ماليةً، لكن العرف حيث رآها حقاً ورآها مما يقابل بالمال فقد تحقق ركن البيع الأول وهو وجود المثمن فصح بيعه، على ان بعض الفقهاء اشترط في المبيع ان يكون عيناً فلم يجوّز بيع الحقوق بل جوّز المصالحة عليها أو الجعالة أو شبه ذلك... وللبحث صلة بإذن الله تعالى.

 

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

---------------------------------------

([1]) فصّلنا في مباحث شرح التجريد ان الأقوال والاحتمالات في الزمان هي أكثر من اثني عشر قولاً واحتمالاً: فهل هو مقدار حركة الفلك؟ أو هو أمر انتزاعي؟ أو هو أمر اعتباري؟ أو موهوم؟ أو هو البعد الرابع؟ أو غير ذلك.

([2]) أي وجوب ما نذره أو أقسم عليه.

([3]) كصحة الصلاة متكتفاً وجواز أكل الأرنب تقيةً.

([4]) سورة البقرة: آية 231.

([5]) لاحظ نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم 47.

([6]) الشيخ جعفر السبحاني، مصادر الفقه الإسلامي ومنابعه، دار الأضواء – بيروت، ص323-324.

([7]) المصدر نفسه.

([8]) إذ أدرج هذا المثال في القسم الثاني.

([9]) المصدر نفسه: ص325.

([10]) أو (بياض يوم) كما ورد في صحيح أبي بصير و(مسير يوم) كما في صحيح بن يقطين.

([11]) قال في الجواهر ج38 ص7: (إحياء الموات من الأرض، بفتح الميم وضمها، الذي اتفقت الأمة على جوازه بل واستحبابه...) وقال عن المعادن الباطنة (وأما (المعادن الباطنة التي لا تظهر إلا بالعمل) والمعالجة (كمعادن الذهب والفضة والنحاس و) الرصاص ونحوها حيث تكون كذلك، وإلا فلو فرض احتياج بعضها إلى كشف تراب يسير أو كانت على وجه الأرض لسيل ونحوه فلها حكم المعادن الظاهرة، وهو الملك بالحيازة لا غيره على حسب ما عرفت، كما أن ما كان من الظاهرة لو فرض كونه في طبقات الأرض على وجه يحتاج إلى حفر وعمل كان له حكم ما تسمعه من حكم الباطنة.

وعلى كل حال (فهي) أي الباطنة (تملك بالإحياء) الذي هو العمل حتى يبلغ نيلها بلا خلاف أجده بين من تعرض له كالشيخ وابني البراج وإدريس والفاضل والشهيدين والكركي وغيرهم على ما حكي‌ عن بعضهم، بل عن ظاهر المبسوط والمهذب والسرائر الإجماع على ذلك). جواهر الكلام: ج38 ص110-111.

([12]) سورة البقرة: آية 29.

([13]) ثقة الإسلام الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية – طهران، ج5 ص279.

([14]) الشيخ جعفر السبحاني، مصادر الفقه الإسلامي ومنابعه، دار الأضواء – بيروت، ص326.

([15]) فهو مندرج في القسم الأول.

 

  طباعة  ||  أخبر صديقك  ||  إضافة تعليق  ||  التاريخ : الثلاثاء 2 ذي الحجة 1439 هـ  ||  القرّاء : 1872



 
 

برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net