||   بسم الله الرحمن الرحيم | اللهم كُن لوليّك الحُجَّة بن الحَسَن صَلواتُكَ عَليه وَعَلى آبائه في هذه السّاعة وفي كُلّ سَاعَة وَليّاً وَحَافِظا وَقائِداً وَ ناصراً ودَليلاً وَ عَينا حَتّى تُسكِنَه أرضَك طَوعاً وَتُمَتِعَه فيها طَوِيلاً | برحمتك يا أرحم الراحمين   ||   اهلا وسهلا بكم في الموقع   ||  


  




 الحجة معانيها ومصاديقها

 194- الظلم التكويني والتشريعي على مستوى علم الكلام وعلم الاجتماع

 242- التحليل العلمي لروايات مقامات المعصومين (عليهم السلام)

 2- فائدة لغوية اصولية: مناشئ وجود المشتركات اللفظية

 مؤتمرات الأمر بالمعروف والائتمار به

 273- مباحث الأصول: (الموضوعات المستنبطة) (3)

 313- (خلق لكم ما في الأرض جميعاً) 1 الأرض للناس لا للحكومات

 177- مباحث الأصول: (مبحث الأمر والنهي) (6)

 155- مفردات ومصاديق مبادئ الاستنباط (2): علم الدراية- علم الرجال- مواقع الاجماع- علم الاصول

 كتاب لماذا لا تستجاب أدعية بعض الناس؟



 هل المطلوب إعادة هيكلة للنظام العالمي؟

 سيرة الإسلام في سيرة رسول الله (ص) في الرحمة والاخلاق

 برمجة العراق ثقافياً

 كيف نقفز من الانحطاط الى الارتقاء؟

 شباب العراق: من الهدر الى الاستثمار



 موسوعة الفقه للامام الشيرازي على موقع مؤسسة التقى الثقافية

 183- مباحث الاصول (مبحث الاطلاق) (1)

 351- الفوائد الاصولية: بحث الترتب (2)

 النهضة الحسينية رسالة إصلاح متجددة

 الأجوبة على مسائل من علم الدراية

 استراتيجية مكافحة الفقر في منهج الإمام علي (عليه السلام)

 قسوة القلب

 236- احياء أمر الامام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)

 نقد الهرمينوطيقا ونسبية الحقيقة والمعرفة

 161- مفردات ومصاديق مبادئ الاستنباط (8): علم الاديان الفقهي والاصولي المقارن



  • الأقسام : 73

  • المواضيع : 3749

  • التصفحات : 10260815

  • التاريخ : 3/06/2020 - 08:14

 
 
  • القسم : دروس في مبادئ الاستنباط .

        • الموضوع : الدرس الخامس .

الدرس الخامس
الاثنين 1 ذي الحجة 1439 هـ



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

 

مقوِّمات الاستنباط ومبادئه وشروطه

 

مسائل من علم الكلام الجديد يتوقف عليها الأصول

ثم ان هنالك مسائل من علم الكلام الجديد، يتوقف عليها علم الأصول في الكثير من مسائله، كما ان هنالك مسائل من علم الكلام القديم تجدّد بحثها في علم الكلام الجديد بوجه آخر وبنحو آخر أو أثير بحثها من جديد بقوة كبيرة مما يستدعي بحثها من جديد باستيعاب، خاصة وان بعضها قد أهملها علماء الأصول المتأخرون نظراً لانتفاء الحاجة إليها في أزمنتهم، ولكنّ اثارتها في العقود الأخيرة استدعت ضرورة استيعاب بحثها من جديد.

وسنشير في هذا البحث إلى ثلاثة منها فقط وهي: (التصويب) وهي مسألة قديمة – حديثة و(مدخلية الزمان والمكان في عملية الاستنباط) وهي مسألة حديثة هامة جداً ولم يُشِر لها سابقاً إلا المقدس الاردبيلي فيما نعلم و(كون أحكام الشريعة بنحو القضايا الحقيقية أو الخارجية) واما مثل (نسبية اللغة والنصوص ونسبية الواقع والحقيقة ونسبية المعرفة) ونظائرها فنوكلها لمظانها، فلنبدأ بالتصويب فنقول:

 

أنواع التصويب بلحاظ المتعلَّق

ان التصويت ينقسم بلحاظ متعلَّقه إلى الأقسام التالية:

 

التصويب في الموضوعات الصرفة

1- التصويب في الموضوعات الصرفة، بدعوى ان المجتهد وإن اخطأ فيها فهو مصيب واقعاً ثبوتاً، فمثلاً لو اجتهد في جهة القبلة، فوصل إلى انها للمشرق وكانت للمغرب مثلاً، فان صلاته صحيحة لأنها – على مبنى التصويب في الموضوعات –واجدة حقيقة لشرطها وهو كونها نحو القبلة، ولذا لا يجب عليه القضاء رغم حديث ((لَا تُعَادُ الصَّلَاةُ إِلَّا مِنْ خَمْسَةٍ...))([1])، وكذا لو ظهر للمجتهد بعد الصلاة انه لم يكن متوضئاً حين صلى، وكان قد اعتمد على استصحاب أو غيره، فانه يكون حينئذٍ، نظراً لاجتهاده، قد أتى – حسب المصوِّب – بالصلاة الواقعية مع شرطها الواقعي، ولا يخفى انه لو شك بعد الصلاة في انه صلاها مع الوضوء أو لا فان قاعدة الصحة والتجاوز (أو الفراغ)([2]) حتى داخل الوقت تجري فيبني على انه صلاها بطهور، لكنه حكم ظاهري، وهو غير التصويب الآنف، ولذا لو علم بانه صلاها بلا وضوء وجبت الإعادة في الوقت والقضاء خارجه؛ إذ قاعدة الصحة والتجاوز والفراغ إنما تجري في صورة الشك، استناداً إلى ضابط الاذكرية.

 

التصويب في أصول الدين

2- التصويب في مسائل أصول الدين والملحقات بها، كما لو اجتهد احدهما فوصل إلى ان الله تعالى جسم ورأى الآخر انه مجرد، فحسب من يرى هذا النوع من التصويب فان كليهما مصيب، وكذلك لو اجتهد فأخطأ في مسائل القضاء والقدر والجبر والاختيار، بل والوحدانية والنبوة والمعاد كما لو انكر وجوده تعالى أحد المجتهدين أو أنكر كونه واحداً أحداً، فانهم باجمعهم مصيبون، حسب هذا المعنى للتصويب، وقد ذهب إلى هذا النوع من التصويب الشاذ من المسلمين كعبد الله بن الحسن العنبري البصري إذ صرح بان الجميع مصيب.

وقد قيل بان هذا التصويب اخترعه بعض البابوات تبريراً لاجتهاداتهم المناقضة لاحكام العقل كالتثليث.

قال في القوانين: (إنّ الجمهور من المسلمين على أنّ المصيب فيها واحد، وادّعى عليه الإجماع بعضهم‌([3])، وأنّ النّافي للإسلام مخطئ آثم كافر، اجتهد أم لم يجتهد.

وخالف في ذلك الجاحظ حيث قال: إنّه لا إثم على المجتهد وإن أخطأ، لأنّه لم يقصّر بالفرض [بالغرض‌]. وزاد عليه عبد اللّه بن الحسن العنبريّ البصريّ‌([4]): إنّه مصيب أيضا)([5]).

 

التصويب في الأحكام العقلية

3- التصويب في الأحكام العقلية، سواء أكانت مما استقل بها العقل أم كانت من غير المستقلات العقلية فالأول: كحسن العدل والإحسان ورد الوديعة وإنقاذ المظلوم وقبح الظلم والعدوان والخيانة، والثاني كوجوب مقدمة الواجب أو عدمه واقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضده وعدمه وهكذا. ولا يخفى ان التصويب بهذا المعنى يؤدي إلى سد باب الاستدلال والبرهان تماماً.

وقد التزم بعضهم بالتصويب في مؤديات القياس والاستحسان والمصالح المرسلة، نعم ادعى في الكفاية الاتفاق على التخطئة في العقليات، إذ قال (اتفقت الكلمة على التخطئة في العقليات واختلفت في الشرعيات)([6]) لكنه غير تام ظاهراً.

وقد وقع بعض أعلامنا في ما يقرب من ذلك إذ ارتأى المرحوم المظفر تبعاً للمحقق الاصفهاني الكمباني ان المشهورات كحسن العدل وقبح الظلم لا واقع لها وراء بناء العقلاء عليها، بل واقعها بناء العقلاء عليها وقد نقلنا نصوص كلاميهما مع مناقشات متعددة في بعض مباحثنا وكان منها، إشارةً، بداهة ان العدل حسن في حد ذاته وان قطعنا النظر عن رأي العقلاء فيه بل انه حسن وإن أجمع العقلاء فرضاً على قبحه.

 

التصويب في الأحكام الفرعية الضرورية

4- التصويب في الأحكام الفرعية الضرورية، كوجوب الصلاة والصوم وجواز النكاح والبيع وصحتها إجمالاً بشروطها والإرث وغير ذلك، والغريب انه لم نجد مصوباً في هذه الضروريات رغم وجود القائل به في أصول الدين، أي لم نجد من قال ان المخطئ فيها مصيب.

 

التصويب في الفرعية غير الضرورية

5- التصويب في الأحكام الفرعية غير الضرورية تكليفيةً كانت أو وضعيةً، كوجوب جلسة الاستراحة أو استحبابها، ووجوب غسل الجمعة أو استحبابه، ومحرّمية العشر رضعات أو الخمس عشرة رضعة... وهكذا، وقد ذهب أكثر الأشاعرة وبعض المعتزلة إلى التصويب فيها.

وقيل: بان بعض علماء العامة اخترع التصويب طريقاً لتبرير أحكام السلطان الجائر وتقلباته وتناقضات حكامهم ومخالفتهم لأحكام الشريعة، بل ولتبرير تناقضات علمائهم في مسائل أصول الدين ومخالفة بعضها (كجسمانية الله تعالى أو ظلمه) لصريح العقل أو النقل.

 

التصويب في دلالة الخطابات

6- التصويب في دلالة الخطاب، أو في أَفهام المجتهدين للآيات والروايات وسائر الأدلة والخطابات، وانها وإن اختلفت وتفاوتت أو تناقضت فانها كلها مصيبة، فلو فهم أحدهم من (اعْدِلُواْ) الأمر المولوي والآخر الأمر الإرشادي كان كلاهما مصيباً، ولو فهم أحدهما من الأمر الوجوب والآخر الاستحباب أو الاباحة([7]) كانوا جميعاً مصيبين وهكذا وقد بحثنا هذا المعنى من معاني النسبية ونسبية المعرفة والحقيقة في كتاب (نسبية النصوص والمعرفة "الممكن والممتنع") و(نقد الهرمينوطيقا ونسبية الحقيقة والمعرفة واللغة).

فهذا كله من جهة، ومن جهة أخرى.

 

معاني التصويب المحتملة

فان (التصويب) بنفسه تحتمل فيه معانٍ، بل أكثرها أقوال، إذا كان في دائرة أحكام الله تعالى.

1- ليس لله تعالى حكم واقعي

أولاً: ان (التصويب) يعني انه لا يوجد لله حكم أصلاً في الواقعة بل ان حكمه تعالى يوجد بوجود رأي الفقيه بمعنى ان اللوح المحفوظ مثلاً خالٍ عن أي حكم فإذا اجتهد الفقيه ووصل إلى رأي معين سجّله الله حكماً واقعياً في اللوح المحفوظ ثم إذا اجتهد آخر بخلافه سجّله الله تعالى أيضاً، وهكذا وذلك يفيد ان اجتهاد المجتهد صانع للواقع وليس كاشفاً عنه إذ لا يوجد واقع قبله.

وقد قيل بان المصوبة ذهبوا إلى هذا الرأي بل لا قول لهم بغيره، فحقق.

ومن الواضح بطلان هذا الرأي لاستلزامه الدور إن أريد اجتهاد الفقيه ليعرف حكم الله الواقعي، ولمخالفته للقرآن والسنة كقوله تعالى (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ)([8]) و(وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا)([9]).

له أحكام مختلفة يقهر المجتهدين عليها

ثانياً: ان (التصويب) يعني ان الله تعالى حكم بأحكام مختلفة في الواقعة الواحدة وسجّلها مثلاً في اللوح المحفوظ ثم صرف أذهان المجتهدين، قهراً، وبتدخل تكويني لكي يحكموا على طبقها.

 

له أحكام مختلفة ويتفق مطابقة المجتهدين لها

ثالثاً: المعنى بحاله مع الالتزام بان المطابقة كانت اتفاقية، غير قسرية. ومن الغريب القول بانها كانت دائمية!

 

انه أسس أحكامه على حسب آراء المجتهدين

رابعاً: ان الله تعالى بعلمه المحيط حيث رأى بان آراء المجتهدين ستؤدي إلى أحكام مختلفة، لذلك جعل من قبل أحكاماً للواقعة على حسب تلك الآراء المستقبلية.

وفرقه عن سابقيه: ان الله – حسب سابقيه – لم يلاحظ آراء المجتهدين حين جعل أحكامه، اما حسب الرابع فانه جل اسمه لاحظها فكانت السبب – مثلاً – لجعل أحكامه.

 

انه يمحو أحكامه إذا خالفها اجتهاد العلماء

خامساً: ان لله تعالى أحكاماً في الواقع في اللوح المحفوظ مثلاً، ثم إذا اجتهد الفقيه فوصل إلى رأي معاكس، محى الله أحكامه وأزالها وجعل الحكم على طبق رأي المجتهدين.

 

لا تنجُّزَ لأحكامه مع المخالفة

سادساً: الصورة بحالها، ولكن مع القول بان المجتهد يتغير تكليفه فيكون مأموراً بالعمل على طبق ظنه وإن كان مخالفاً للواقع واقعاً، والفرق بين الخامس والسادس واضح فان المراد من الخامس هو الحكم الواقعي ومن السادس الحكم الظاهري، بعبارة أخرى: الفرق يظهر بلحاظ ان في كل حكم يوجد حكمان: إنشاء تحريم أكل الميتة مثلاً وهو حكم ثبوتي تابع للمفسدة الواقعية فيه، وهذا الحكم قائم بالحاكم وهو الله تعالى، ووجوب الامتناع عن أكلها وهو حكم إثباتي وهو قائم بالمكلف، أي انه حيث حرّمه الله تعالى فوجب الامتناع، والخامس يرى تغير الحكم الأول والسادس يرى تغير الحكم الثاني من دون تغير الحكم الأول، ألا ترى انه يقال: حيث حرّم الله تعالى الخمرة وجب تجنبها وحيث أوجب الصلاة وجب امتثال أمره، وواضح ان العلة غير المعلول ووجوب التجنب معلول التحريم ووجوب الامتثال معلول الإيجاب.

بعبارة أخرى: الوجوب الثبوتي يراد به مرتبة الإنشاء والوجوب الإثباتي يراد به مرتبة التنجز.

تنبيه: حيث لم يكن البحث معقوداً لمناقشة التصويب لذلك لم ندخل في الأخذ والرد، بل كان ما ذكر لمجرد التمثيل للمسائل الكلامية التي تتوقف عليها مسائل علم الأصول، أي انه كان لمجرد الإشارة إلى المباني والاحتمالات في المراد منه وان الاجتهاد في الفقه والأصول يبتني على نفيها، وللمزيد من التفصيل حول التصويب يراجع كتاب (القوانين) و(النور الساطع) وغيرهما.

 

مسألتان تمرينيتان:

الأول: ذهب الشيخ إلى (المصلحة السلوكية) في الامارات المخالفة للواقع، فما هو فرقها عن (التصويب)؟ وإلى أي قسم من الأقسام السابقة تعود؟ أو انها لا تعود الشيء منها؟

الثانية: الحكم الظاهري الذي هو مؤدى الأصول (كأصل البراءة) إذا كان على خلاف الأحكام الواقعية أو كان مؤدى الامارات المخالفة للواقع، هل هو من التصويب؟ فان قوله عليه السلام (رفع ما لا يعلمون) يفيد ان الحكم الواقعي لأنه لا يعلمه مرفوع، أفليس ذلك من التصويب؟ ثم ما هو المرفوع؟ هل مرتبة الإنشاء أم الفعلية أم التنجز؟

ثم هل جعل المماثل أو المضادّ الذي ذهب إليه المحقق الاصفهاني هو من التصويب؟ وما فرقه عن الحكم الظاهري أو هو هو؟

 

أنواع جديدة من التصويب الحداثوي

ثم ان المتكلمين والفلاسفة الجدد ذهبوا إلى أنواع أخرى من التصويب وإلى الأنواع السابقة ولكن بعبارات أخرى؛ على ان بعضها ليس بتصويب أو ليس بتصويب باطل فتدبر فيها جميعاً وحدّد التصويب الباطل منها من غيره.

 

الإصابة في بعض الجوانب

فمنها: (2- الإصابة في بعض الجوانب

المعنى الثاني من معاني النسبية: أن يراد بها أننا قد نصيب في بعض ما اكتشفناه ونخطئ في البعض الآخر، وأن عقولنا ومداركنا وحواسنا ليست بمنأى عن الخطأ، بقول مطلق، بل قد نخطئ، ونحن قاطعون بأننا على صواب!)([10])، فهل هذا تصويب؟ أو هو – في قسمه الأخير – مجرد جهل مركب؟

 

الإصابة في زمن دون آخر

ومنها: (3- الصحة في زمان دون آخر

المعنى الثالث من معاني النسبية: أن يراد به, إن معرفتي للحقيقة قد تكون صحيحة في زمان وصائبة فيه، وتكون بنفسها خطأ في زمان آخر أو في مكان آخر أو في ظرف آخر وحالة أخرى)([11]) وسيأتي الكلام عن هذا القسم في مسألة تأثير الزمان والمكان في الاجتهاد.

 

صوابية الآراء المتخالفة

ومنها: (4- صوابية الآراء المتعاكسة

المعنى الرابع من معاني النسبية: أن يراد إن (معرفتي للحقيقة) صائبة، كما أن معرفة من يحمل قناعة ورأياً مضاداً عن الحقيقة نفسها، وبالمواصفات والشروط نفسها، هي صائبة أيضاً.

وهذا هو الذي ذهب إليه بعض مَن ادعى (الصراطات المستقيمة). كما أن واحداً من أهم أركان ومبادئ (الديالكتيك) هو: وحدة النقيضين أو الضدين وصحة اجتماعهما)([12]). وهذا المعنى مطابق لبعض أنواع التصويب السابقة.

 

لا معيار لتمييز الحق من الباطل

ومنها: (5- لا معيار موضوعياً لتمييز الحق من الباطل

المعنى الخامس من معاني النسبية: أن يراد أنه حيث لا يوجد معيار موضوعي، لتمييز الحق من الباطل، فإنه لا محيص لنا عن القول بأن كل (الأفهام) و(المعارف) على تعاكسها وتناقضها هي (حق) وهي (صواب). وهذا تصويب إثباتي إذ (اللا معيار) اتخذ طريقاً للتصويب الثبوتي (كل الأفهام والمعارف حق) والخلط فيه والوهن ظاهر.

 

اللغة نسبية

ومنها: (6- اللغة، هي لغة نسبية

المعنى السادس من معاني النسبية: أن يراد إن (اللغة) الحاملة للمعاني، والمحتضنة لها، والمختزنة لها، هي (لغة نسبية)، أي غير قادرة على إراءة الحقيقة كما هي، وهي لا تصلح مرآة حاكية ـ حكاية دقيقة حقيقية عن الواقع ـ!

أو يقال: اللغة هي مزيج، من الحكاية ومن التأثّر؛ فهي مرآة للواقع، لكنها في الوقت ذاته، مرآة لمن يستخدمها (مؤلفاً أو قارئاً)، أي أنها مرآة تنعكس فيها خصوصيات من يفكر بها، أو ينطق، أو يقرأ أو يكتب، فهي مرآة مزدوجة إذن)([13]) وهذا يقارب المعنى السادس السابق.

 

كل المعارف ظنية

ومنها: (11- كل المعارف ظنية

المعنى الحادي عشر من معاني النسبية: ان (نسبية المعرفة) يقصد بها أنها لا تورث القطع أو العلم، بل كلها ظنية. بمعنى انه لا توجد حتى معلومة واحدة قطعية، سواء في عالم المادة أم في عالم المجردات، عالم الغيب أم الشهود، عالم الظاهر أم عالم الباطن، سواء منها ما أدركته الحواس أم القوة المتعقلة أم القوة المتخيلة أم القوة المتوهمة، وسواء منها ما حصل بالتجربة، أم التعلم والدراسة، أم الحدس والإلهام، أم الكشف والشهود)([14]) وهذا ليس من التصويب، بل ان إطلاقه جهل وخطأ.

 

لا يوجد منهج علمي موصل لمعاني الألفاظ

ومنها: (12ـــ لا يوجد منهج علمي موصِل لحقيقة النص

المعنى الثاني عشر للنسبية: انه لا يوجد أي منهج علمي، أو غير علمي، يستطيع أن يضمن الوصول إلى حقيقة النص)([15]) وهذا كسابقه.

 

لا توجد حقائق دائمة

ومنها: (13- لا توجد حقائق دائمة

المعنى الثالث عشر من معاني النسبية: إن نسبية المعرفة يقصد بها أنه لا توجد لدينا (حقائق دائمة) بل الحقائق كلها (مؤقتة)؛ وذلك لأن الواقع متغير، والعالم كله متغير، فلكي تكون الحقائق صادقة، لابد أن تكون متغيرة كنتيجة طبيعية لتغير المعلوم والخارج، وإلا؛ فإن (القضية) لو دامت وثبتت مع تغير المعلوم والمدلول والخارج، لكانت كاذبة، دون ريب)([16]). وهذا نوع تصويب، وسيأتي الكلام عنه ضمن مبحث تأثير الزمان والمكان في الاستنباط.

 

الشيء في ذاته غير الشيء كما يبدو لنا

ومنها: (14- مقولة (الشيء في ذاته)

المعنى الرابع عشر من معاني النسبية: هو مقولة (الشيء، في ذاته), (إن الشيء كما يبدو لنا، يختلف عن الشيء في حد ذاته). وهذا هو ما ذهب إليه كانط...) (3: وقد يكون المقصود بها: ذلك المفهوم الذي يرتضيه النسبيون الهِرمينوطيقيون أي أن الشيء في ذاته، لا تناله عقولنا كما هو هو، بل إنه في مسيرته ليتحول إلى "معلومة" في أذهاننا، فإنه يتشكل ويتلون، بلون مسبقاتنا الفكرية وخلفياتنا النفسية.

وبعبارة أدق: لا يتطابق (الشيء كما يبدو لنا مع الشيء في ذاته).

وبعبارة أخرى: الصور الموجودة في الذهن، أو الإدراكات الذهنية، لا تعكس الواقع كما هو، بل قد تضيف عليه، أو تحذف منه، أو تشوهه، أو تكون شيئاً آخر بالمرة)([17]) وهذا – بهذا التفسير – تصويب إثباتي، وهو يذهب إلى انسداد باب العلم بل وأكثر فتدبر.

 

العلم مادي متغير

ومنها: (15- العلم مادي متغير

المعنى الخامس عشر من معاني النسبية: إن العلم والفكر مادي، وكل مادي متغير، فالعلم متغير، فهو إذن نسبي لا مطلق) مستدلين بان الفكر والإدراك من خواص الدماغ، والدماغ مادي مركب، فكما يقع الدماغ تحت سيطرة قوانين التحول والتغير والتكامل أو الانحطاط، كذلك العلم أو الادراك أو الفكر، فلا يوجد علم ثابت، بل كل علم فهو نسبي أي متغير ومتحول...)([18]). وهذا كسابقه

 

ضرورة ترشيد علم الأصول وتطرقه للمسائل المستحدثة

وقد فصّلنا الجواب عن كل هذه الآراء في الكتاب فراجع.

وموطن الشاهد ان علم الأصول لم يتطرق للإجابة على هذه الآراء، باعتبارها مبادئ تصديقية لمسائل لا تقل أهمية إن لم تزد على الكثير من مباحث الألفاظ إذ ان بعض هذه الآراء تفيد صحة الآراء المتناقضة وبعضها تنفي تماماً إمكان الوصول إلى الحقيقة ومنها الأحكام الشرعية، كما لم يتطرق لها علم الكلم الجديد، ولذلك نجد ان الطالب الدارس لعلم الأصول خاصة المتخرج منهم من الجامعات قد يقع في بعض تلك المتاهات من حيث لا يشعر، بل لقد وجدت بعض أساتذة الخارج من المعروفين قد تأثر ببعض الآراء الهرمينوطيقية، ومنهم من قال لي – ولعله لا يعلم ان هذا كلام فلاسفة الغرب منذ زمن وإن تموّج كلامهم وصل إليه – ان اللغة كائن حيّ متحرك متغير، واستشهد ببعض الأمثلة، كتغير معنى المستحب أو غيره هذا المبنى خلافاً لأصالة ثبات اللغة، فقلت له: ان هذه المفردات قليلة جداً ولعلها لا تبلغ واحداً بالألف من المفردات اللغوية، وذلك لا يُخِلّ بالحجية إذ الحجية تتعايش حتى مع احتمال الخلاف بنسبة عشرين بالمائة مثلاً، فمثلاً: الأمر الظاهر في الوجوب حجة فيه مع ان استعماله في الندب كثير جداً ولعله عشرين أو ثلاثين بالمائة من الموارد، فاحتمال الخلاف لا يضر بحجية الظاهر وإن كان بنسبة 20% فما بالك باحتمال الخلاف بنسبة واحدة بالألف؟ وقلت: اللغة لعل مفرداتها – بتصريفاتها – تبلغ مليون كلمة، اما التي تغيرت معانيها عن زمن النص فلعلها لا تبلغ حتى الألف منها، إضافة إلى ان ما تغيّر منها قد شُخِّص وحُدِّد بالقرائن، والمجهول حاله منها لعله أندر من النادر. فتدبر.

 

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

-------------------------------------------

([1]) الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، مؤسسة النشر الإسلامي – قم، 1413هـ، ج1 ص179.

([2]) المختار هو ان التجاوز والفراغ قاعدة واحدة وليسا قاعدتين.

([3]) كالعلّامة في ((التهذيب)) ص 286، و في بعض نسخه عبارة (اتفقت).

([4]) في ((الأعلام)) للزركلي 4/ 192، عبيد اللّه بن الحسن العنبري 105- 168 ه من تميم، قاضى من أهل البصرة، قال ابن حبان: من ساداتها فقها و علما.

([5]) الميرزا أبو القاسم القمي، القوانين المحكمة في الأصول، إحياء الكتب الإسلامية، ج4 ص448.

([6]) الآخوند الشيخ محمد كاظم الخراساني، كفاية الأصول، مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث – قم، ج1 ص468.

([7]) بزعم انه بعد توهم الحظر مثلاً.

([8]) سورة الأنعام: آية 57.

([9]) سورة الحشر: آية 7.

([10]) السيد مرتضى الحسيني الشيرازي، نقد الهرمينوطيقا، دار العلوم للتحقيق والطباعة والنشر والتوزيع – بيروت، ص124.

([11]) المصدر نفسه: ص125.

([12]) المصدر نفسه.

([13]) المصدر نفسه: ص143.

([14]) المصدر نفسه: ص149.

([15]) المصدر نفسه: ص174.

([16]) المصدر نفسه: ص180.

([17]) المصدر نفسه: ص189.

([18]) المصدر نفسه: ص215.

 

  طباعة  ||  أخبر صديقك  ||  إضافة تعليق  ||  التاريخ : الاثنين 1 ذي الحجة 1439 هـ  ||  القرّاء : 1725



 
 

برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net