||   بسم الله الرحمن الرحيم | اللهم كُن لوليّك الحُجَّة بن الحَسَن صَلواتُكَ عَليه وَعَلى آبائه في هذه السّاعة وفي كُلّ سَاعَة وَليّاً وَحَافِظا وَقائِداً وَ ناصراً ودَليلاً وَ عَينا حَتّى تُسكِنَه أرضَك طَوعاً وَتُمَتِعَه فيها طَوِيلاً | برحمتك يا أرحم الراحمين   ||   اهلا وسهلا بكم في الموقع   ||  


  





 219- (اليقين) و (المحبة) دعامتا تكامل الامة والمجتمع ـ (الشعائر كمظهر للمحبة وكصانع لها)

 172- ( وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا ) من هو رب الأرض؟ وما هي وظائف المنتظرين؟

 قراءة في كتاب (توبوا الى الله)

 52- (فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعًا) إستباق الخيرات هو الطريق نحو الكمالات وفلسفة التوزيع الجغرافي لأصحاب الإمام المنتظر عج في آخر الزمن

 21- بحث اصولي: عن حجية قول اللغوي ومداها

 113- بحث اصولي: فارق الحقيقة عن المجاز بالدلالة التصديقية الثانية

 دراسة في كتاب "نسبية النصوص والمعرفة ... الممكن والممتنع" (5)

 لماذا لم يصرح باسم الامام علي عليه السلام في القران الكريم

 181- تجليات النصرة الالهية للزهراء المرضية ( عليها السلام ) 3ـ النصرة في العوالم الاخرى

 45- بحث عقائدي اصولي: الترخيص الظاهري لا يتنافى مع الدعوة للحق والواقع



 في ذكرى شهادة الحسين (ع): الحق والباطل ضدان لا يجتمعان

 الإمام الحسين من منظار حداثي

 التشاؤم المدمر والتفاؤل التقدمي

 القائد الإداري والقدرة على النقد الذاتي

 الغدير والديمقراطية الحقيقية



 موسوعة الفقه للامام الشيرازي على موقع مؤسسة التقى الثقافية

 استراتيجية مكافحة الفقر في منهج الإمام علي (عليه السلام)

 الأجوبة على مسائل من علم الدراية

 المرابطة في زمن الغيبة الكبرى (المقدمات ، المتقدمات ، المُمَهِّدَات ، المسؤوليات)

 نقد الهرمينوطيقا ونسبية الحقيقة والمعرفة

 204- مناشئ الانحراف والضلالة : الغرور والاستعلاء والجهل الشامل

 21- بحث اصولي: عن حجية قول اللغوي ومداها

 205- مناشيء الانحراف والضلال : المؤامرات الدولية على الاديان والمذاهب وموقع مراكز الدراسات وبلورة الرؤى في المعادلة

 203- محاكمة اسلحة الفرق الضالة : الايحاء المغناطيسي والخدع العلمية ومغالطة الكبرى والصغرى

 فقه الرشوة



  • الأقسام : 68

  • المواضيع : 3141

  • التصفحات : 5285796

  • التاريخ : 24/09/2018 - 10:42

 
 
  • القسم : دروس في مبادئ الاستنباط .

        • الموضوع : الدرس العاشر .

الدرس العاشر
الثلاثاء 23 ذو الحجة 1439 هـ



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

مقوِّمات الاستنباط ومبادئه وشروطه

 

رابعاً: المصلحة غير المنفعة والمفسدة غير المضرة

وقد يجاب عن دعوى صحة التعويل على الملاكات في استكشاف أحكام الشارع، بان الأحكام تابعة لمصالح ومفاسد في المتعلقات وليست تابعة لمنافع ومضار فيها، وغاية ما نكتشفه هو المنافع والمضار دون المصالح والمفاسد، فلا يصح استكشاف الأحكام الشرعية من إحاطتنا بالمنافع والمضار، وذلك لأن سنخ المصلحة غير سنخ المنفعة وسنخ المفسدة غير سنخ المضرة، والنسبة بينها عموم من وجه.

قال في المحاضرات: (الأول: أنّ المصلحة ليست من سنخ المنفعة ولا المفسدة من سنخ المضرة غالباً، والظاهر أنّ هذه القاعدة إنّما تكون في دوران الأمر بين المنفعة والمضرة لا بين المصلحة والمفسدة كما لا يخفى.

وبكلمة اخرى: أنّ الأحكام الشرعية ليست تابعة للمنافع والمضار، وإنّما هي تابعة لجهات المصالح والمفاسد في متعلقاتها، ومن المعلوم أنّ المصلحة ليست مساوقة للمنفعة والمفسدة مساوقة للمضرة، ومن هنا تكون في كثير من الواجبات مضرة مالية كالزكاة والخمس والحج ونحوها، وبدنية كالجهاد وما شاكله، كما أنّ في عدة من المحرمات منفعة مالية أو بدنية، مع أنّ الاولى تابعة لمصالح كامنة فيها، والثانية تابعة لمفاسد كذلك، فاذن لا موضوع لهذه القاعدة بالإضافة إلى الأحكام الشرعية أصلاً)([1]).

وقد يقوّى: بان المصلحة يراد بها النوعية أو الاخروية، والمنفعة يراد بها الشخصية أو الدنيوية، وكذا المفسدة والمضرة، ومن المعلوم ان السنخ مختلف، والنسبة من وجه.

 

المناقشة: بل النسبة التساوي

ولكن قد يناقش بانه من الكيل بمكيالين وان المصلحة مساوية للمنفعة والمفسدة مساوية للمضرة، وانهما كعنوانين مطلقين كذلك، وكعنوانين مقيدين كذلك مع وحدة القيد، لا بتقييد كل منهما بقيد غير ما قُيِّد به الآخر، وإلا فان (المصلحة) أيضاً تكون غير (المصلحة) سنخاً إذا قيدت الأولى بالاخروية والثانية بالدنيوية أو قيدت إحداهما بالشخصية والأخرى بالنوعية كما تكون النسبة حينئذٍ من وجه.

والحاصل: ان المصلحة إن قيدت بالاخروية فانها مساوقة للمنفعة المقيدة بالاخروية وإن قيدت بالدنيوية أو الفرعية أو الشخصية فانها مساوية كذلك للمنفعة المقيدة بالدنيوية أو النوعية أو الشخصية، وإن أطلق كل منهما كان كلٌّ منهما، ككليِّ طبيعيِّ، مساوياً للآخر، فليس هذا الجواب بتامٍّ.

والصحيح ان يقال: بان مصالح الأحكام الشرعية ومنافعها منوّعة: فقد يحكم الشارع على ضوء المصلحة (أو المنفعة) النوعية وقد يحكم على ضوء المصلحة الشخصية، وقد يحكم على ضوء المصلحة الدنيوية وقد يحكم على ضوء المصلحة الاخروية، بل قد يحكم على ضوء المزيج من عدد منها، وحيث لا نعلم ذلك، أي ملاك هذا الحكم خاصة أو ذاك، فإذا اكتشفنا فيه مصلحة أو منفعة شخصية أو نوعية، أو دنيوية، أو أخروية، فانه لا يمكن القول بان الشارع قد حكم على طبقها إذ لعله لاحظ المصلحة النوعية أو الاخروية أو غير ذلك في المقام، نعم لو أمكننا الإحاطة بكافة أنواع المصالح (الشخصية والنوعية، الحاضرة والمستقبلية، الدنيوية والاخروية) الدخيلة في هذا الموضوع وحكمه وعلمنا مجموع ما كوّن العلة التامة منها لدى الشارع في حكمه، أمكن التعميم لموضوع آخر إذا علمنا بكونه واجداً لذلك المجموع المركب وأمكن أيضاً إنشاء حكمٍ ابتداءً، وأنّى لنا بذلك كما سبق.

 

تحقق المنفعة الشخصية في الخمس والزكاة

تنبيه: المستظهر ان ما يتوهم مضرة شخصية كما فيما ذكره (قدس سره) من: (ومن هنا تكون في كثير من الواجبات مضرة مالية كالزكاة والخمس والحج ونحوها، وبدنية كالجهاد وما شاكله) ليس على إطلاقه بل الخمس والزكاة – مثلاً – وإن توهم انهما مضرة مالية للشخص إذ يقتطع من ماله وكدّ يمينه في الخمس 20%، وإن كانا منفعة للنوع، ولذا شرّعا لأجل ذلك، كحِكمة لكنهما في الواقع منفعة للشخص نفسه: وذلك لأن الرزّاق هو الله تعالى وهو الذي بيده البركة أو المحق فمن خمّس وزكى بارك الله في ماله فزاد ماله فهو المنتفع حقاً، وليس من يصرف عشرة آلاف ليربح عشرين ألف بعد شهر مثلاً بخاسر ولا بمتضرر، والمستظهر من الروايات ان المزكي المخمس يزداد ماله ويبارك فيه عكس الممتنع عنهما فانه يمحق ماله، وذلك نظير (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ)([2]) بل هما منه لأعمية الصدقات من الخمس والزكاة.

نعم، قد يعوضه الله سريعاً في أيام وأسابيع أو أشهر وقد يعوضه بطيئاً بعد سنين، بل قد يعوضه في الآخرة قال تعالى: (وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ اللّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ)([3])، والشخص إذا علم حقيقةً بالأجر والمنفعة الاخروية ومدى عظمتها وبهائها وجلالها فانه سيرى الدافع للخمس منتفعاً منفعةً شخصية حقيقية لا مجازاً.

بل هناك وجه آخر أيضاً وهو: ان من لا يخمس يمحق الله ماله بوجوه أخرى: فقد يخسر في تجارة أخرى وهو لا يعلم ان ذلك هو الأثر الوضعي لامتناعه عن الإنفاق بالخمس والزكاة والكفارات وفي الحج، والمنفق قد يحفظه الله من خسارة حتمية كان من المقرر ان يمنى بها في تجارة أخرى وهو لا يعلم ان ذلك كان ببركة زكاته وخمسه، بل ان المزكّي المحسن قد يدفع الله عنه بلايا ورزايا من نوع آخر كان من المقرر ان تحيق به، كاصطدامه بسيارة تكسر فِقار ظهره وتحطم حياته وتجارته ثم يكلفه العلاج أكثر بكثير مما أمسك منه من الخمس والزكاة.. وهكذا – وهذا بحيث طويل يحتاج إلى كتابة رسالة خاصة بشواهدها من الكتاب والسنة والتجارب وغيرها.

 

خامساً: المصلحة قد تكون في الإنشاء لا في الـمُنشأ

وذلك هو ما ذهب إليه الآخوند من ان الأحكام الواقعية تابعة لمصالح في المتعلقات اما الأحكام الظاهرية فتابعة لمصالح في الإنشاء نفسه قال: (لا يخفى أنّ مجرّد كون الاعتبار من هذا الباب لا يكفي ما لم يحرز كونهما في هذا الحال على ما هو عليه من المصلحة المقتضية للجعل، كما إذا كان كلّ منهما وحده وبدون الآخر كما في الواجبين المتزاحمين، وأمّا إذا احتمل عدم تلك المصلحة في هذا الحال لاحتمال اختصاص المصلحة الدّاعية إلى الجعل بغير صورة التّعارض، وعدم مساعدة دليل على المصلحة فيها أيضا، وعدم تبعيّة الجعل لما في المتعلّقات من المصلحة كي يدّعى القطع بعدم التّفاوت فيها بين صورتي التّعارض وعدمه، بل لما في نفسه لتبعيّة الأحكام الظّاهريّة للمصلحة في أنفسها لا في المتعلّقات وإن قلنا به في الواقعيّات، فلا سبيل إلى الحكم بالتّخيير عقلا، كما لا دليل عليه تعبّدا)([4]).

وتوضيح ما يرتبط بالمقام منه: ان البراءة النقلية، كالعقلية مثلاً، مبنية لا على مصلحة أو مفسدة في الواقع؛ إذ كثيراً ما تفوِّت البراءةُ الحكمَ الواقعي ومصلحته أو تُوقِع في مفسدة الحرام الواقعي، كما لو كان مقتضاها، في الشبهة التحريمية الحكمية أو الموضوعية البراءة، أي بعد الفحص، فاقتحم بان شرب السائل مع انه كان خمراً واقعاً أو شرب الحرام الذي لم يبلغه تحريمه، فانه يقع في مفسدة الحرام الواقعي، فاصالة البراءة مبنية على مصلحة في الإنشاء أو في الحكم الظاهري نفسه لا في المتعلق والـمُنشأ. أقول: أو على مصلحة التسهيل أو المصلحة السلوكية، ولعله (قدس سره) أرادهما منها([5]).

وعليه: فان المجتهد إذا اكتشف فرضاً ملاك الحرمة الثبوتي، فكيف يحكم بالحرمة، مع انه قد يكون الشارع قد حلّل لمصلحةٍ في الإنشاء مزاحِمة لمفسدة الواقع، أو حلّل لمصلحةٍ في التسهيل أو للمصلحة السلوكية وهي مصلحة ثبوتية أو شبه ذلك!

 

سادساً: الأَفهام للملاكات مختلفة فكيف تناط بها الأحكام؟

وتوضيحه: انه لا ريب في اختلاف عقول الناس وأفهامهم في مختلف الأمور فكيف بها في اكتشاف الملاكات، خاصة الشارعية، مع انها خفية ومع ان الأفهام مما لا تنضبط، فإذا أوكل للشارع أحكامه إلى ما يكتشفه المجتهدون من الملاكات، لزم الهرج في الفقه والمرج وتشريع المتناقضات والمتضادات وغيرها، وقد ذكر بعضهم هذا الوجه.

 

الفرق بين العقل المطلق والعقل المضاف إلى الضمير

وتحقيق هذا الوجه ببيان أدق وبما يدفع عنه بعض الإشكالات: ان الفرق بين (العقل) و(عقلي) أو (عقل زيد وعمرو وعقل هذا المجتهد وذاك) كبير؛ فان العقل المطلق أي المجرد من قيد وإضافةٍ، حجة فيما قام عليه ملاكاً كان أو غيره وذلك إذا حكم بان هذا الملاك هو العلة التامة كحرمة الظلم بملاك انه ظلم دون شك، فانه حجة من باطن كما ان الرسول حجة من ظاهر، اما العقل المضاف إلى ضمير المتكلم أو الغائب: عقلي، عقلك، عقله أو إلى الشخص: عقل هذا المجتهد وذاك، فليس بحجة في الملاكات الشارعية ونظائرها؛ وذلك لأن العقل المضاف قد يكون، بل هو عادة كذلك، مشوباً بتعصبٍ أو هوى أو مسبقات فكرية أو نفسية أو بمصالح شخصية أو قِبلية أو طائفية أو قومية أو غيرها، لذلك لا يكون حجة حيث لم يُحرز ان حكم عقله أو عقلي هو حكم العقل بذاته إذ يحتمل قوياً ان يكون بما هو مشوب بالأهواء والشهوات والمسبقات وغيرها.

ولذلك ورد ((وَيُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ))([6]) فان العقل أي عقل زيد وعمرو أي العقل المضاف قد يدفن تحت ركام العادات والتقاليد وتقليد الآباء وغير ذلك فلا يكون حجةً، فيحتاج إلى من يزيح تلك الأتربة والأغطية عنه ليعود عقلاً مطلقاً مجرداً غير مضاف ليرى الحقائق كما هي، فيكون حجة حينئذٍ.

كما ورد: ((شَهِدَ عَلَى ذَلِكَ الْعَقْلُ إِذَا خَرَجَ مِنْ أَسْرِ الْهَوَى وَسَلِمَ مِنْ عَلَائِقِ الدُّنْيَا))([7])

والروايات والأدلة الدالة على ذلك كثيرة وقد فصلناها في كتاب (الضوابط الكلية لضمان الإصابة في الأحكام العقلية).

 

النقض باختلاف الاجتهادات في فهم الأدلة اللفظية

لا يقال: انه ينقض باجتهادات المجتهدين في الأدلة الشرعية، فكما ان الأفهام للملاكات لا تنضبط فكذلك الأفهام للنصوص والأدلة اللفظية من عمومات ومطلقات وأدلة قد تكون متعارضة أو حاكمة أو محكومة أو واردة.. الخ.

 

الجواب: أولاً: الفارق الشرع

إذ يقال: أولاً: الفارق نص الشارع على حجية الفهم للألفاظ بقوله مثلاً (وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسانِ قَوْمِهِ)([8]) وغيرها ونصه على عدم حجية الأفهام للملاكات، كروايات القياس الماضية وغيرها.

 

ثانياً: الأفهام للألفاظ منضبطة، عكس الأفهام للملاكات

ثانياً: ان الفرق حتى مع قطع النظر عن الأدلة النقلية، كبير، فان الألفاظ منضبطة نوعاً وإن جرى فيها الخلاف وهي مرجعيات نوعاً وإن اختلف في صغرياتها العلماء، اما الأفهام خاصة في الملاكات خاصة في ملاكات الشارع فليست منضبطة نوعاً ولا هي مرجعيات عرفاً.

إضافة إلى محدودية الخلاف في الأولى وكثرتها جداً في الثانية، وتجويز الرجوع لما نسبة المخالفة للواقع فيه محدودة، كالظواهر وحجية خبر الثقة، ككونها 20% أو أقل أو أكثر، لا يستلزم تجويز الرجوع لما نسبة الخلاف فيه كبيرة كـ80% أو حتى 50% أو على الأقل مما لا يحرز ان نسبة إصابته مثلاً 80% ولا يوجد دليل عليه، عكس خبر الثقة والظواهر إذ أحرز العقلاء ذلك ولذا تجدهم بنوا على حجية الظواهر واختلفوا في حجية الملاكات الشارعية.

وبعبارة أخرى: الأفهام المرتكزة إلى (الألفاظ العرفية) لها ضابط مرجعي هو تلك الألفاظ وهي بمرأى من الكل لذلك يمكن الحجاج بها والاحتجاج والرد والأخذ، عكس مجرد الأفهام للملاكات غير المرتكزة على دلالة الألفاظ؛ فان الملاكات أخفى جداً من الألفاظ كما ان الأفهام متغايرة خاصة غير المنبعثة عن ألفاظ المشرِّع فلا توجد مرجعية، عكس الفهم المعتمد على الألفاظ.

 

الإشكال: باستلزام ذلك عدم حجية العقل

لا يقال: يلزم مما مضى، أي من دعوى ان الأفهام غير منضبطة وغير غالبة الإصابة وان العقول المضافة ليست بحجة، عدم صحة الاستناد لأحكام العقل مطلقاً؛ إذ كلما حكم العقل بحكم، شكّك فيه انه من حكم العقل المجرد أو من حكم العقل المضاف؟

 

الجواب: العقل المطلق حجة ودليله بناء العقلاء وشبهه

إذ يقال: كلا، بل هناك ضابط نوعي جلي لتمييز أحكام العقل المجرد المطلق والذي هو الحجة الباطنة، من أحكام العقل المقيد (وهو: عقلك، وعقله) المشوب – أو المحتمل مشوبيته – بالأهواء أو التعصبات أو الخلفيات النفسية أو الفكرية، والمائز هو ان ما بنى عليه العقلاء بما هم عقلاء فانه يكشف من اتفاقهم، رغم اختلاف مللهم ونحلهم وأديانهم وأهوائهم، ان هذا هو حكم العقل المجرد وإلا لما أمكن عادة ان يتفقوا عليه، وذلك نظير اتفاق كل العقلاء من كل النحل والملل، على الرجوع إلى خبر الثقة وعلى حجية الظواهر، فان بناءهم وسيرتهم على ذلك كاشفة عن كونه حكم العقل، ولا يقدح في بنائهم وسيرتهم مخالفة البعض الأقل من الأقل من العقلاء، كالاخبارية مثلاً، وذلك لشبهة عرضت لهم، إذ حتى المستقلات العقلية قد يخالف فيها القليل من العقلاء لشبهة عارضة.

اما ما اختلف فيه العقلاء جداً فمما لا يعلم انه حكم العقل فلعله من حكم العقل المشوب، فلا بد من الرجوع حينئذٍ للبراهين؛ ولذلك يستدل الموحدون على وجوده جل اسمه ووحدانيته بالبراهين العقلية كاستحالة المعلول بلا علة، استحالة الدور والتسلسل، وكبرهان النظم وغير ذلك، نعم يستدلون بالفطرة وبحكم العقل ولكن كمنبّه فان انتبه الطرف الآخر فهو وإلا لجأوا إلى البراهين، وإن قيل بانها في مورد الفطريات والأوليات والمستقلات هي أشباهها وليست بها وإلا للزم الدور، فتدبر وتأمل

 

ليس المناط هو الحجة في (تنقيح المناط القطعي)

تتمة: سبق (فليس انقطاع الاحتجاج على القاطع بما هو قاطع دليلاً على صحة المقدمات التي أوصلته إلى ما اعتقد به، بل لأنه لا يمكن خطاب القاطع بخلاف مقتضى قطعه)([9]) و: (بل غاية الأمر ان يكون قطعه حجة على نفسه معذوراً فيه، لو لم يقصِّر في المقدمات، لكنه لا يمكنه الاحتجاج به على غيره، على عكس الحجج النوعية، التي تصلح محلاً للاحتجاج على الغير لكونها ضوابط نوعية لا شخصية، كالعام والمطلق وسائر الظواهر)([10]) و: (وبعبارة أخرى: ان الفرق هو ان القطع عامل ذاتي فلا يحتجّ به على الغير في العلوم أبداً، اما الحجج النوعية فهي عامل موضوعي تصلح محلاً للاحتجاج ومرجعيةً حتى لطرفي اللجاج بشرط الإنصاف وترك الاعتساف)([11]).

 

كما ان الأحلام ليست حجة وإن أورثت القطع

ونضيف: ان مما يوضح المذكورات ويؤكدها: ان العقلاء لا يرون الأحلام مثلاً حجة ولا قراءة الكف والفنجان ولا الرمل والاسطرلاب حجة في أحكام الشارع ولا في شؤون إدارة الدولة ولا غير ذلك، وحينئذٍ فلو قطع قارئ الكف والفنجان أو قطع من قُرِأ له كفُّه والفنجان مثلاً وقلنا بان القطع حجيته ذاتية، فانه لا يعني ان الأحلام حجة ولا ان الكف والفنجان أو الرمل والاسطرلاب حجة، (بل غاية الأمر ان يكون قطعه حجة على نفسه معذوراً فيه، لو لم يقصِّر في المقدمات، لكنه لا يمكنه الاحتجاج به على غيره على عكس الحجج النوعية، التي تصلح محلاً للاحتجاج على الغير لكونها ضوابط نوعية لا شخصية، كالعام والمطلق وسائر الظواهر) و(وبعبارة أخرى: ان الفرق هو ان القطع عامل ذاتي فلا يحتجّ به على الغير في العلوم أبداً، اما الحجج النوعية فهي عامل موضوعي تصلح محلاً للاحتجاج ومرجعيةً حتى لطرفي اللجاج بشرط الإنصاف وترك الاعتساف).

وعليه: فوزان تنقيح المناط القطعي في أحكام الشرع، بعد ورود الروايات الناهية عن القياس بلحنها الشديد المؤكد بمثل رواية دية أصابع المرأة، كوزان الأحلام والكف والفنجان لا حجية لها أبداً وإن قطع بسببها قاطع فان قطعه حجة دونها، أي ان القطع، في الواقع، هو واسطة في العروض للحجية([12]) فهو المتصف بها وليس واسطة في الثبوت، أي في ثبوت الحجية للملاكات أو للأحلام. فتأمل

كما سبق:

 

(فرق مفهوم الموافقة عن الملاك

لا يقال: فماذا تقولون في مفهوم الموافقة والأولوية؟

إذ يقال: كل ما كانت الأولوية تفهم من اللفظ عرفاً كانت حجة وإلا فلا، وذلك كقوله تعالى: (فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ)([13]) فان المفهوم منه عرفاً لا تضربهما بالأولوية، لكن هذا غير الملاك فان (المفهوم) غير (الملاك) إذ المفهوم قائم باللفظ (في غير محل النطق) كما عرّفه به بعض، أما الملاك فقائم بالموضوع نفسه، والفرق واضح بيِّن فان – وببيان آخر – أحدهما قائم بالوجود اللفظي وعالم الإثبات والآخر قائم بالوجود العيني وعالم الثبوت. ولعله يأتي لهذا مزيد بيان وتفصيل فانتظر)([14]).

 

فضابط الحجية: اللفظ والفهم معاً

ونضيف: ان ملاك حجية الفهم للملاكات أمران إذا اجتمعا معاً:

الأول: وجود لفظ دال على المفهوم، عرفاً، كمفهوم الشرط أو الموافقة.

الثاني: وجود حكم للعقل بأولوية ملاك هذا من ملاك ذاك في ثبوت الحكم له أيضاً، فمجموعها هو المرجع؛ لما سبق من أقلية الخطأ حينئذٍ ووجود الضابط المرجعي.

اما مدعي ملاك الاولوية فانه إذا استند إليه وحده بدون تحقق الركن الأول فانه يكون من القياس، أما إذا عَضَدَه بدلالة اللفظ عرفاً على هذا المفهوم عقلاً فانه يندرج حينئذٍ في (بِلِسانِ قَوْمِهِ) فتدبر جيداً وتأمل والله العالم الهادي سواء السبيل.

 

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

 

([1]) الشيخ محمد إسحاق الفياض، محاضرات في أصول الفقه، مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي (قدس سره)، 1422هـ، ج4 ص116.

([2]) سورة البقرة: آية 276.

([3]) سورة البقرة: آية 272.

([4]) الآخوند الشيخ محمد كاظم الخراساني، درر الفوائد في الحاشية على الفرائد، مؤسسة الطبع والنشر التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، ص419.

([5]) من المصلحة في المتعلق.

([6]) السيد الشريف الرضي، نهج البلاغة، دار الهجرة للنشر – قم، ص43.

([7]) المصدر نفسه: ص365.

([8]) سورة إبراهيم: آية 4.

([9]) راجع الدرس (8).

([10]) راجع الدرس (8).

([11]) المصدر نفسه.

([12]) بمعنى لزوم الإتباع، لا بمعنى الكاشفية عن الواقع.

([13]) سورة إسراء: آية 23.

([14]) راجع الدرس (8).

 

  طباعة  ||  أخبر صديقك  ||  إضافة تعليق  ||  التاريخ : الثلاثاء 23 ذو الحجة 1439 هـ  ||  القرّاء : 37



 
 

برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net