||   بسم الله الرحمن الرحيم | اللهم كُن لوليّك الحُجَّة بن الحَسَن صَلواتُكَ عَليه وَعَلى آبائه في هذه السّاعة وفي كُلّ سَاعَة وَليّاً وَحَافِظا وَقائِداً وَ ناصراً ودَليلاً وَ عَينا حَتّى تُسكِنَه أرضَك طَوعاً وَتُمَتِعَه فيها طَوِيلاً | برحمتك يا أرحم الراحمين   ||   اهلا وسهلا بكم في الموقع   ||  
إتصل بنا         


  




 67- تعريف المبدأ التصوري والتصديقي

 الأمانة والعدالة في الحكم ومناشئ تولد الشرعية (6)

 144- بحث اصولي: لا اطلاق لقبح تخصيص الأكثر، وذكر موارد لعدم قبح تخصيص الاكثر

 260- مباحث الاصول: بحث الحجج (حجية الشهرة) (2)

 31- موقع (يوم الجمعة) في نهر الزمن

 6- الصلاة في مدرسة الحسين طريق الرحمة الإلهية

 248- الرفق واللين كظاهرة عامة في الحياة وفي التقنين

 246- مقاصد الشريعة في معادلة الرحمة والاستشارية في شؤون الحكم والحياة

 11- المودة في القربى 3

 قراءة في كتاب (لماذا لم يصرح باسم الإمام علي عليه السلام في القرآن الكريم؟)



 استقرار العراق وتقدمه هدفان لا تراجع عنهما

 السابع عشر من ربيع الأول انبلاج نور النبوة الخاتمة في مكة المعظمة

 التشيّع مصان ومحفوظ بقوّة غيبية والتشكيك والمعادي مصيرهما الخيبة والزوال

 رزايا العنف وغلق قنوات الحوار



 موسوعة الفقه للامام الشيرازي على موقع مؤسسة التقى الثقافية

 استراتيجية مكافحة الفقر في منهج الإمام علي (عليه السلام)

 المرابطة في زمن الغيبة الكبرى (المقدمات ، المتقدمات ، المُمَهِّدَات ، المسؤوليات)

 نقد الهرمينوطيقا ونسبية الحقيقة والمعرفة

 الأجوبة على مسائل من علم الدراية

 204- مناشئ الانحراف والضلالة : الغرور والاستعلاء والجهل الشامل

 فقه الرشوة

 203- محاكمة اسلحة الفرق الضالة : الايحاء المغناطيسي والخدع العلمية ومغالطة الكبرى والصغرى

 205- مناشيء الانحراف والضلال : المؤامرات الدولية على الاديان والمذاهب وموقع مراكز الدراسات وبلورة الرؤى في المعادلة

 حجية مراسيل الثقات المعتمدة - الصدوق و الطوسي نموذجاً -



  • الأقسام : 65

  • المواضيع : 3099

  • التصفحات : 4678203

  • التاريخ : 18/06/2018 - 06:45

 
 
  • القسم : دروس في التفسير والتدبر ( النجف الاشرف ) .

        • الموضوع : 170- (العزة) في معادلة ازدهار الحضارات وانحطاطها ( سامراء والبقيع مثالاً ) .

170- (العزة) في معادلة ازدهار الحضارات وانحطاطها ( سامراء والبقيع مثالاً )
الأربعاء 23 محرم الحرام 1435هـ





بسم الله الرحمن الرحيم 
 
الحمد لله رب العالمين، بارئ الخلائق أجمعين، باعث الأنبياء والمرسلين، ثم الصلاة والسلام على سيدنا ونبينا وحبيب قلوبنا أبي القاسم المصطفى محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين الأبرار المنتجبين سيما خليفة الله في الأرضين واللعنة الدائمة الأبدية على أعدائهم إلى يوم الدين، ولاحول ولاقوه إلا بالله العلي العظيم 
 
يقول الله سبحانه وتعالى في كتابة الكريم: (يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) 
 
مقومات العزة وملاكاتها 
 
في هذه الآية الشريفة هنالك حقائق وعلى ضوئها بصائر: 
 
1- الحقيقة الأولى: 
 
قد يُتسائل عن كيف تكون العزة للمؤمنين والحال أن المشاهد هو أن الكثير من المؤمنين في هذه الحياة - الحياة الدنيا – ليسوا بأعزة؟ فقد تكون السيدة زينب (صلوات الله وسلامه عليها ) وتلك الثلة والكوكبة الطاهرة، في وثاق الأسر وقد يكونون ما يكونون، وقد يكون المؤمن فقيرًا مستضعفًا، وتكون العزة – كما يبدو - لأولئك الطواغيت والجبابرة ؟ 
 
الجواب: ان العزة تتقوم في جوهرها بثلاثة أمور، هي ملاكها وعليها مدارها: 
 
1- الأمر الأول هو النفس وحالاتها. 
 
2- الأمر الثاني هو المبدأ والقيادة. 
 
3- الأمر الثالث هي المنتهى والعلة الغائية. 
 
أ- القائد والقيادة 
 
وتوضيح ذلك بإيجاز شديد: 
 
اما العلة الغاية فان مما يكشف عن محوريتها ومداريتها الوجدان: 
 
فلو أن شخصًا كان يلبس أفخر الثياب ويتعطر بأفضل أنواع العطور، ويمتلك من الرصيد في البنوك والمصارف ما يمتلك، لكنه قائده كان سفّاحًا ساقطاً كصدام، أو هتلر، أو موسليني، أو نمرود، وهامان، وفرعون، أو الحجاج، ومن أشبه ذلك، فلا شك في انه ذليل حقاً وإن كان ظاهره عزيزًا؛ ذلك ان القائد والقيادة من محدِّدات العزة والدناءة، فمن هو قائدك؟ هل قائدك الشيطان أم قائدك الرحمن؟ من الواضح الجلي ان من يسلِم قِيادَه للشيطان فهو ذليل وإن كان من الناحية الظاهرية يمتلك من السلطة والجاه والثروات ما يمتلك. 
 
إذًن من محددات وعوامل عزة النفس ودناءتها: نوعية القيادة والمبدأ والعلة الفاعلية المحركة لهذا الكائن الذي يرى نفسه عزيزًا وليس به. 
 
ولذا تجد ان من كانت قائدته بغية من بغايا بني إسرائيل، أو من بغايا هذا العصر، فهو ذليل، وإن تصور وتوهم أنه عزيز، بل انه في عمقه يشعر بأنه ذليل حقير، إذ (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ)، فمن مقاييس الذلة والعزة المبدأ والعلة العلة الغائية والقائدة والقيادة. 
 
ب- العلة الغائية 
 
واما العلة الغائية، فان مما يكشف عن مقياسيتها ومفصليتها: 
 
اننا لو شاهدنا حمالًا شريفًا يكدح أشد الكدح بملابس رثّة، لكن لكي يعيل أهله ويستغني عن التكفف والاستجداء فاننا سندرك بالضرورة والوجدان انه عزيز النفس وشريف بالفعل حيث انه يعيل أهله عن طريق الحلال، فهو شريف، مع أن الأبواب – أبواب الحرام - مشرعة أمامه. 
 
وتصوروا في الطرف الآخر شخصاً يتملك ما يمتلك ويفعل ما يفعل، لكن غايته هي أن يفجّر وأن يدمر، أو ان غايته هي أن يصل إلى بعض نزواته الدنيئة ويروي حالته البهيمية أو السبُعية، فانه لا شك إنسان خسيس، دنيء، وإن تشبّه بالأعزة فالعلة الغائية التي تحرك هذا الإنسان هي التي ترسم وتحدد مدى عزته ومدى ذلته 
 
ج- الجوهر والنفس 
 
ثم انه مع قطع النظر عن هذين العاملين فإن العزة والذلة كامنة في عمق نفس الإنسان، فهي المحدّد والمقياس الجوهري الثابت دون ريب. 
 
فلو كانت هناك جوهرة قيمة لكن غطاها التراب والأوحال، فأنها تبقى في حد ذاتها عزيزة، قيّمة، ثمينة، ولتكن مدنسة بالأوحال، وفي الاتجاه الآخر – تكرمون – لو كانت هنالك بعرة، فليجملها صاحبها وليزوّقها ويزخرفها فهي لا يمكن ان تكون في عمقها إلا هي وكما هي. 
 
وبكلمة: فان الإنسان عزته بنفسه، كما ان ذاك الإنسان الدنيء الخسيس الطبع البخيل الجبان اللئيم الإرهابي، ذليل مهما كان!! وإن أصبح ملكًا، أما ذاك الإنسان الأبي، أبيّ الضيم، ذاك الإنسان الشريف، ذاك الإنسان الكريم، فهو عزيز وإن كان في قعر السجون وظلم المطامير. 
 
يقول تعالى: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ)؛ لأن المؤمن بما هو مؤمن جوهره جوهرٌ نقي، جوهره جوهر سامي، مبدأه أيضًا أفضل المبادئ، غاياته أفضل الغايات. 
 
العزة لها تجليات والدناءة لها تمظهرات 
 
2- الحقيقة الثانية: 
 
ان عزة النفس هي رفعة في النفس لها تجليات، وفي الاتجاه الآخر فإن دناءة النفس هي حقارة في النفس لها تمظهرات، فان عزة النفس حقيقة تتجلى بأنحاء شتى كما ان دناءة النفس أيضًا حقيقة تتمظهر بمظاهر مختلفة. 
 
لاحظوا كلام الإمام السجاد (عليه السلام) ـ ونحن ومقبلون على أيام استشهاده ـ يقول: ((من كرمت عليه نفسه هانت عليه الدنيا)) 
 
ان هذه الجوهرة القدسية (النفس) لا تقارن بكل أموال الدنيا!! فالرياسة لا قيمة لها عند من كرمت عليه نفسه، فكيف يبيع الإنسان - لا سمح الله - دينه لها او لشهرة أو مال، او غير ذلك! 
 
ولنمثل لكم بمثال: 
 
إذا أراد شخصٌ أن يهين استاذًا جامعيًا مشهورًا، أو استاذًا حوزويًا مرموقاً، أو وزيرًا، فليتهمه بأنه (شحاذ)، يستجدي في الخفاء .. ويحاول أن يسوق هذه التهمة بما ينطلي على بعض الناس ولا شك ان هذه وصمة قبيحة: استاذ جامعي يتكفف في السوق متخفيًّا أو وزير يتكفف!!، هذه تهمة ووصمة ومذلة دون ريب أو شك. 
 
ان هذا هو مظهر من مظاهر الذلة النفسية الواقعية: أن يستجدي وهو غير مضطر أشد الاضطرار، لكن ما بالك بذاك الاستاذ أو الوزير أو ذي المنصب المرموق الذي يستجدي الشهرة ؟ فأي فرق بينهما؟ كيف نرى أن الذي يستجدي وهو غير محتاج ذليل لأن الإنسان الشريف لا يعقل أن يستجدي إلا مضطرًا كأكل الميتة، ولا نرى من يستجدي الشهرة والرياسة، ذليلاً؟. 
 
ان الإنسان الشريف أيضًا لا يستجدي الرياسة، ولا يستجدي الشهرة، ولا يسحق دينه ومبادئه لأجل بعض عَرَضَ الحياة الدنيا. 
 
((من كرمت عليه نفسه هانت عليه الدنيا))، إلا انك تجد ان البعض يبيع دينه في حالة ما أو في موقف ما لأجل بعض الأموال أو بعض المناصب والمواقع، وما أغرب ذلك حقا!. 
 
كما يقول سيد الساجدين عليه صلوات المصلين أيضاً: ((مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِذُلِّ نَفْسِي حُمْرَ النَّعَم)) اي: والنعم الثلاثة معروفة، والأحمر منها نادر، كان نادرًا وغاليًا جدًا، كالإبل الحمراء. 
 
والمؤمن العزيز الشريف، لا يذل نفسه ولو أعطي أغلى الأشياء وأكثر الأموال وحمرَ النِعَم! 
 
وهذا هو الدرس الأول الذي يجب أن يتعرف عليه كل مؤمن، وكل رجل دين, وكل جامعي، وكل بقال وعطار، وكل مؤمن بما هو مؤمن انه شريف وعزيز، لا ينبغي أن يذل نفسه لبعض حطام الدنيا مهما كانت الأسباب والدواعي. 
 
الاسكندر وديوجين بين عادة الملوك وعادة الحمير! 
 
ينقل أن (الاسكندر المقدوني)، ذاك الفاتح المعروف، احتل احدى البلاد وكانت مسقط رأس (ديوجانس([1]) الكلبي)، وكان (ديوجانس) في ذلك الوقت خارج المدينة – كما لعله يبدو من سياق القصة - وكان مشهورًا بالحكمة ومعروفاً على ما يبدو من حالاته على مستوى العالم انذاك فكان أمره يهم (الاسكندر)، فسأل عنه أين هو؟ 
 
فقالوا في مكان خارج العمران هناك، فجاء (الاسكندر) الفاتح فرأى (ديوجانس الحكيم) متمدداً على الأرض يستدفئ بالشمس، فوقف (الاسكندر) أمام (ديوجانس) فوقع ظله عليه، فلم يُدِر (ديوجانس) له بالاً ولا أعاره أهميةً ولما رأى (الاسكندر) منه ذلك ركله برجله، وقال له: انظر فإني قد افتتحت مسقط رأسك، فقال (ديوجانس): فتح الأمصار من عادة الملوك لكن الرفس بالرجل من عادة الحمير!!. 
 
تصوروا عزة النفس، فليكن الاسكندر من يكن، فليكن الطاغية من يكون، فلتكن بيد ذاك الشخص الأموال والشهرة الرياسة وأي شيء آخر، إنما المؤمن بل كل إنسان له إنسانيته هو عزيز النفس، ولو كان كل مؤمن هكذا لتغير وجه الأرض... 
 
وعندما يذهب الشاب إلى الجامعة أو في السوق، أو في الشارع، فليكن عزيز النفس، لماذا تستهويه وتستعبده الشهوة وفتاة طائشة؟. 
 
الإنسان العزيز النفس لا يعقل أن يتعدى على حرمات الناس إلا لو هانت عليه نفسه وكانت ذليلة حقيرة، يخون أمانة الله في عينه أو يده أو رجله أو بطنه أو فكره، الإنسان المؤمن عزيز النفس لا ينبهر بالغرب ولا بالشرق، فليكن بأيديهم كل شيء، المهم أن تكون على الحق، "لا نبالي إن كنا على الحق أوقع الموت علينا أو وقعنا على الموت" 
 
ثم ان الاسكندر عندما سمع ذلك الكلام الجريء الذي ينمُّ عن صلابة النفس واباءها، هزّه ذلك الموقف، فتراجع وتضائل، وقال له: هل لك إليّ من حاجة؟ فقال نعم، ففرح الاسكندر، (إذ احتج إلى من شئت تكن أسيره، ووصيتي لكم ولي: لا تطلبوا من أحد شيئا إلا للناس)، فقال له: اذهب من هنا، فقد حلت بيني وبين الشمس، وبذلك أظهر له انه يستحقره أشد الاستحقار!!. 
 
الإمام السجاد: أني آنف ان أطلب الدنيا من خالقها! 
 
وفي رواية أخرى عن الإمام السجاد صلوات الله وسلامه عليه: أن شخصا غصب حقًا للإمام عليه السلام فجاء في هذه الأثناء الوليد بن عبد الملك إلى مكة فاقترح بعض الصحابة على الإمام السجاد صلوات الله عليه، أنه لو طرحت مشكلتك أو حاجتك أو ظلامتك على الوليد فسيرفعها عندئذ، فقال الإمام السجاد عليه الصلاة وأزكى السلام: ((ويحك، أفي حرم الله عز وجل أسأل غير الله عز وجل؟ إني آنف أن اسأل الدنيا من خالقها، فكيف اسألها من مخلوق مثلي؟)) 
 
((واعلموا أنه ليس لأنفسكم ثمن إلا الجنة)) 
 
وكل مكان حرم الله، والإنسان لا يوزن إلا بالجنة ويرجح عليها، بل ان الدنيا كلها لا تسوي شيئًا، وفي الرواية: ((لَوْ عَدَلَتِ الدُّنْيَا عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى عَدُوَّهُ مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ))([2]). 
 
وهناك روايات عديدة عن الإمام السجاد صلوات الله وسلامه عليه في هذا الحقل. 
 
وبكلمة جامعة: لله العزة جميعا ولرسوله وللمؤمنين، وهذا هو اهم درس على المؤمن أن يتعلمه، وهو أن يكون عزيزًا، سواءً أكان في قرية أم كان في عاصمة من الدول الكبرى، سواء أكان في هذا الملبس أم في ملبس آخر، سواء أكان غنيا أم فقيرا. وفي الرواية ((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْأَحْمَسِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فَوَّضَ إِلَى الْمُؤْمِنِ أُمُورَهُ كُلَّهَا وَ لَمْ يُفَوِّضْ إِلَيْهِ أَنْ يَكُونَ ذَلِيلًا أَمَا تَسْمَعُ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ وَ (لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ) فَالْمُؤْمِنُ يَكُونُ عَزِيزاً وَ لَا يَكُونُ ذَلِيلًا ثُمَّ قَالَ إِنَّ الْمُؤْمِنَ أَعَزُّ مِنَ الْجَبَلِ إِنَّ الْجَبَلَ يُسْتَقَلُّ مِنْهُ بِالْمَعَاوِلِ وَ الْمُؤْمِنَ لَا يُسْتَقَلُّ مِنْ دِينِهِ شَيْ‏ءٌ))([3]) 
 
مسيرة الانحطاط تبدأ من الاستكانة في منعطف واحد 
 
3- الحقيقة الثالثة: 
 
ان مسيرة الانحطاط تبدأ من الاستكانة في مرحلة ما، ومن التخاذل لدى تحدٍ من التحديات. 
 
لماذا نسينا جريمة تفجير سامراء وهدم البقيع؟ 
 
عندما فُجِّر المرقد الطاهر للإمامين العسكريين صلوات الله وسلامه عليهما قبل عدة سنين - وهو عمل إرهابي جبان يكشف عن حقد وعن دناءة نفس لا نظير لها – ما الذي صنعناه؟ وكيف تعاملنا ولا تزال مع هذه الجريمة الفاجعة الكبرى؟. 
 
هل بمجرد أن عُمِّرت سامراء انتهى الأمر؟ واليوم تمرّ علينا الذكرى السنوية لتفجير مرقدي الإمامين الهمامين العسكريين صلوات الله وسلامه عليهما. 
 
فهل انتهى الامر بذلك؟ المجرمون أليسوا موجودين؟ نحن نسينا القضية لكن المجرم موجود مترصّد ومن وراءه موجود ايضا، ولأننا نسينا فترى الإجرام مستمراً، في كل يوم تسمعون في بغداد، في الموصل، في مختلف البلاد التفجيرات والمفخخات، من الذي يقتل فيها ؟ أطفال، نساء، مؤمنون، في الحسينيات، في المساجد، في مجالس العزاء في غيرها، لماذا؟ لمَ التفجيرات مستمرة؟ لأننا غافلون. 
 
كيف نواجه الإرهابيين؟ 
 
هل يعقل ان ننسى قضية سامراء لأنها عمرت؟، فاين إذن تدنيس الحرمات والمقدسات؟ واين الاقتصاص من المجرم ومن وراءه؟ عندما تنسى انت فان العدو لا ينسى، ويستمر في ذاك المخطط المشأوم. 
 
أين التحرك الواسع المتعدد الأبعاد؟ هذه استكانة كبرى في مرحلة تاريخية فاصلة... 
 
وعندما استكّنا أمام غصب مراقد البقيع الطاهرة، إذ لا يزال البقيع منذ أكثر من 87 عاما مهدماً، وعندما استكنا ايضا بنمط آخر لتفجيرات سامراء، فان النتيجة خطيرة حقا: العدو لازال يضرب شعبنا والمسلمين في كل مكان. 
 
العالم لا يترك مجرما بتصوره – والذي هو بتعبيره مجرم- فكيف نترك نحن المجرم الحقيقي بكل المقاييس؟ 
 
قبل عشرين أو ثلاثين سنة في بلد ما حدث تفجير، لكنكم تشاهدون ان اليهود لا يسكتون، يطاردون ويتابعون ويلاحقون، ويهيجون العالم كله ويتهمون هذه الجهة وتلك إلى أن تعتذر وإلى أن تعوض وإلى أن تفعل وتفعل وتتنازل وتتنازل، ولذا سادوا العالم ظاهرياً. 
 
ويا للأسف، لأنهم يعرفون المعادلة الظاهرية في الحياة: الحدث لا ينسونه، شخص قتل قبل 50 سنة يطالبون بدمه حتى الآن، وليس بدمه فقط، بل حتى بتنازلات سياسية وغيرها. 
 
أما نحن، فقد فُجّر المرقدان ثم نسينا القضية، كم إنسان الآن يذهبون إلى سامراء؟ قبل حوالي اسبوعين ذهب بعض اصدقائنا إلى سامراء للزيارة ففرح بهم القائمون على الحرم الشريف ثم قالوا: منذ عشرة أيام لم يزرنا شخص واحد قط! عشرة أيام تمضي على المرقدين الطاهرين للإمامين الهمامين ولا يزورهما شخص واحد؟ 
 
ليتوجه الناس بالملايين إلى سامراء والبقيع 
 
وفي الروايات أنه لو أن مكة خلت من الزوار لوجب على إمام المسلمين جبرهم، وفي روايات أخرى لو أن المدينة خلت من الزوار لوجب على إمام المسلمين إجبارهم على الزيارة، وقد جاء في صحيح هشام ومعاوية وغيرهما عن الإمام الصادق (عليه السلام): ((لو ان الناس تركوا الحج لكان على الوالي أن يجبرهم على ذلك وعلى المقام عنده ولو تركوا زيارة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لكان على الوالي أن يجبرهم على ذلك وعلى المقام عنده، فان لم يكن لهم أموال أنفق عليهم من بيت مال المسلمين)) الوسائل: ج8 ص16 الباب 5 من وجوب الحج ح2. قال السيد الوالد (ولا يبعد ان تكون مشاهد الأئمة عليهم الصلاة والسلام من هذا القبيل للملاك، ومن الواضح انه لا خصوصية للإمام المعصوم عليه الصلاة والسلام في الجبر فهو سار إلى الولاة الشرعيين كما ان العلة في هذه الروايات توجب ان يكون الأمر كذلك إذا لم يكن إمام معصوم حاضراً ولا نائب له، فانه يجب على عدول المسلمين ذلك، بل وإن لم يكن عدول المسلمين وصل الأمر إلى غيرهم، وإذا لم يكن بيت المال كان من اللازم الإنفاق من النفس على ذلك، ولا يبعد جواز ذلك من الزكاة وسهم السادة وسهم الإمام عليه الصلاة والسلام من الخمس) ([4]). 
 
ولا نتحدث الآن عن الإجبار، بل عن التشويق، لمَ لا تتأسس في كل مدينة لجنة، مهمتها الدفاع عن قضية سامراء بأبعادها المختلفة، لأن اليد الآثمة واحدة، وهي مترصدة لواحد واحد من الشرفاء والأحراء وللمراقد أيضًا، ولاتزال تلك اليد موجودة ومدعومة من الدول الإقليمية التي تدفعها إلى المزيد من الإجرام. 
 
ولا يزال مخططهم مستمراً متواصلاً، وقد رأيتم ماذا كانوا يخططون له في السيدة زينب عليها السلام، وترون الآن هنا، أليست كربلاء مستهدفة؟، النجف أليس مستهدفا؟ بقية المراقد أليست مستهدفة؟ 
 
ولقد حدثت إنفجارات في طريق الحرم الشريف في سامراء أخيراً وكان جماعة من أهل الحلة جزاهم الله خيرا ملتزمين بالمجيء اسبوعيا إلى سامراء بعد انقطاع أكثر الناس، ثم ان الارهابيون استهدفوهم فقتلوا عددا منهم فانقطعوا هؤلاء ايضا ويا للأسف.. ولكن: 
 
ألا يقتل الناس في طريق كربلاء؟ لكن الملايين تذهب! إذا فجرونا في طريق كربلاء هل نعطل الزيارة في الأربعين!!؟ كلا وألف كلا.. 
 
والحكومة هي بدورها مسؤولة, لمَ الحكومة لا توفر الحماية لهؤلاء الزوار؟ ولمَ نحن لا نؤسس في كل مدينة ومنطقة وبلدة مركزاً للدفاع عن سامراء؟ الدفاع الإعلامي، الدفاع الحقوقي، الدفاع الجماهيري، التعبئة الشعبية، أو ماشئت فقل. 
 
ان الإنسان إذا أذل نفسه بنفسه فهو المسؤول، لكن المؤمن بما هو مؤمن لايحق له أن يذل نفسه, ولو تراجع عن حماية المقدسات قيد أنملة فقد أذل نفسه بنفسه، هو المسؤول عن ذلك، وعليه أن يجيب الله سبحانه وتعالى. 
 
وكم في بالي الآن من الأمثلة ومن الشواهد من أنحاء العالم على انهم كيف لا ينسون مايعتبرونه ولو جريمة صغيرة بحق يهودي أو مسيحي واحد، ويتابعون بعض القضايا لمئة سنة ولا ينسونها، اما نحن فلو حدث حدثٌ في الليلة الماضية حادثة أو جريمة فنمضي عليها وكأنها قد انتهت، ولمّا تنتهي. 
 
موقف الرسول العظيم أمام كلمة استخفاف واحدة 
 
يقول تعالى: (يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ)، عندما قال عبد الله بن أبي في غزوة المريسيع ـ وهي غزوة بني المصطلق ـ هذه الكلمة، فان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فوراً اتخذ موقفاً قوياً غريباً - ونحن كم نسمع من الإهانات للشيعة ومن التطاولات على أهل البيت عليهم السلام في العالم والكثير منّا لايحرك ساكنًا -. 
 
كلمة واحدة قالها عبد الله بن أبي وهي: (لأن رجعنا الى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل)، لكن الله قال ( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ...) النبي اتخذ فورا موقفاً عاجلاً قوياً فقد أمر جيشه بأكمله بأن ينفروا فتحركوا ساعة وساعتين وحتى بالليل([5])، وكانت حالة استنفار عامة، وللوالد (قدس سره) تحليل لطيف لا مجال لذكره، فلمَ هذا الاستنفار؟ النبي استنفر الجيش كله بما فيه عبد الله بن أبي، إحدى جهات التحليل هو: إثبات أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين. 
 
ان العزة واقع لكن له تجليات، فأين تجلَّت عزتنا في البقيع؟ أين تَجلِّي عزتنا في سامراء؟ أين تجلِّي عزتنا عندما يقتل زائر الحسين عليه السلام أو زائر الكاظمين عليهما السلام؟ أو عندما تُفجر هذه الحسينية أو ذلك المسجد أو مجلس العزاء؟ 
 
إذا كان هناك تجلي بالمستوى لتغير وجه الأرض، ومن التجليات الضرورية في هذا اليوم ان يخرج خمسة ملايين شخص على الأقل في بغداد في مظاهرة احتجاجية سلمية - رجالاً نساءاً شيعة وسنة إذ البلية عامة والجريمة مشتركة – وان يتظاهر كذلك مليون واحد من المسلمين في بريطانيا أو فرنسا فيخرجون في مظاهرة احتجاجية في قضية البقيع ! مئة ألف شيعي بل وأكثر - لأن الشيعة في أمريكا هم ثلاثة ملايين حسب إحصاء تقريبي - على الأقل في واشنطن يجب ان يخرجوا في تظاهرات احتجاجية على الارهابيين الذين يقتلوننا ليل نهار. 
 
الا اننا امة ميتة، ومن الطبيعي أن الأمة الميتة تصول الذئاب في بلادها وتجول بل: إن البُغاث بأرضنا يستنسرُ. 
 
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم جميعا من الذين يتمسكون بحبل عزة الله سبحانه تعالى ومن الذين لا يبيعون الآخرة بعرض الحياة الدنيا ومن الذين لا ينسون المقدسات أبداً بل يجعلونها نصب العين دوماً ويجعلون حمايتها منهج عملٍ على مدى الحياة، إنه سميع الدعاء. 
 
وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين 
 
 
 
 
([1]) ويسميه عدد من المؤرخين (ديوجين) 
 
([2]) بحار الأنوار ج64 ص150 باب 7. 
 
([3]) الكافي ج5 ص63. 
 
([4]) الفقه ج92 ص49. 
 
([5]) وفي نص الرواية (فسار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يومه كله لا يكلمه أحد فأقبلت الخزرج على عبد الله بن ابي يعذلونه فحلف عبد الله أنه لم يقل شيئا من ذلك فقالوا فقم بنا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى نعتذر إليه فلوى عنقه فلما جن الليل سار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليله كله والنهار فلم ينزلوا إلا للصلاة فلما كان من الغد نزل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ونزل أصحابه وقد امهدهم الارض من السهر الذي أصابهم فجاء عبد الله بن ابي إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فحلف عبد الله أنه لم يقل ذلك وأنه ليشهد أن لا إله إلا الله وانك لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وان زيدا قد كذب علي فقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) منه واقبلت الخزرج) الصافي ج5 ص179.

  طباعة  ||  أخبر صديقك  ||  إضافة تعليق  ||  التاريخ : الأربعاء 23 محرم الحرام 1435هـ  ||  القرّاء : 2878



 
 

برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net