||   بسم الله الرحمن الرحيم | اللهم كُن لوليّك الحُجَّة بن الحَسَن صَلواتُكَ عَليه وَعَلى آبائه في هذه السّاعة وفي كُلّ سَاعَة وَليّاً وَحَافِظا وَقائِداً وَ ناصراً ودَليلاً وَ عَينا حَتّى تُسكِنَه أرضَك طَوعاً وَتُمَتِعَه فيها طَوِيلاً | برحمتك يا أرحم الراحمين   ||   اهلا وسهلا بكم في الموقع   ||  


  





 268- (وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ) 6 الحلول المفتاحية لظاهرة الشك والتشكيك حسب المنهج العقلي للامام علي ع

 4- فائدة ادبية صرفية: صيغ المبالغة قد تورد لافادة الشدة دون الكثرة

 20- بحث فقهي اصولي: بيان اقسام المكلف

 273- (هَذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) 11 أعمدة اليقين: الفطنة والحكمة والعبرة وسنة الاولين

 210- مباحث الاصول -الفوائد الأصولية (الدليل العقلي) (3)

 45- بحث عقائدي اصولي: الترخيص الظاهري لا يتنافى مع الدعوة للحق والواقع

 68- (إهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ )-2 نقد الهرمونطيقا ونسبية المعرفة

 263- (وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ) سورة ابراهيم (9) القيمة المعرفية لــــ(الشك) على ضوء العقل والنقل والعلم

 117- المصوِّبة الجدد ونسبية المعرفة

 307- الفوائد الأصولية: حجية الاحتمال (3)



 من ينهض بالمسلمين إلى الفضيلة والأخلاق؟

 لا لانتهاك الحقوق

 السلوك الانفتاحي والانقلاب على القيم

 أيام غيّرت وجه العالَم

 في ذكرى شهادة الحسين (ع): الحق والباطل ضدان لا يجتمعان



 موسوعة الفقه للامام الشيرازي على موقع مؤسسة التقى الثقافية

 الأجوبة على مسائل من علم الدراية

 استراتيجية مكافحة الفقر في منهج الإمام علي (عليه السلام)

 المرابطة في زمن الغيبة الكبرى (المقدمات ، المتقدمات ، المُمَهِّدَات ، المسؤوليات)

 نقد الهرمينوطيقا ونسبية الحقيقة والمعرفة

 204- مناشئ الانحراف والضلالة : الغرور والاستعلاء والجهل الشامل

 21- بحث اصولي: عن حجية قول اللغوي ومداها

 قسوة القلب

 205- مناشيء الانحراف والضلال : المؤامرات الدولية على الاديان والمذاهب وموقع مراكز الدراسات وبلورة الرؤى في المعادلة

 النهضة الحسينية رسالة إصلاح متجددة



  • الأقسام : 73

  • المواضيع : 3247

  • التصفحات : 5902881

  • التاريخ : 12/12/2018 - 13:30

 
 
  • القسم : الفوائد والبحوث .

        • الموضوع : 243- مباحث الأصول: (الحجج والأمارات) (1) .

243- مباحث الأصول: (الحجج والأمارات) (1)
11 جمادى الأولى 1439هـ

مباحث الاصول: (الحجج والأمارات)

جمع واعداد: الشيخ عطاء شاهين*

 

الفائدة الأولى: أن البحث عن الحجج يُعد قلب علم الأصول لأنه الغاية منه وموضوعه ؛ بخلاف بقية المباحث كمبحث الألفاظ والاستلزامات ؛ إذ هي أعم مما مُهّد لاستنباط الحكم الشرعي ، عكس القول بأن ظواهر الكتاب هل هي حجة أم لا؟ أو الإجماع المنقول هل هو حجة أم لا ؟ ، وهكذا.
يمكن القول بأن مباحث التعارض ومباحث الحجج تعد قلب الأصول ؛ وذلك لأن موضوع الأصول هو (الحجة المشتركة القريبة في الفقه)[1] أو(الأدلة الأربعة من حيث الدليلية) أو(بما هي هي)[2] وظواهر الكتاب وخبر الثقة- وهما من مباحث الحجج ونظائرها-  هي مفردات ومصاديق الموضوع[3] ، أي أنها هي الحجة التي تقع كبرى صغرى قياس الاستنباط.
وكذلك ينطبق عليها تعريف علم الأصول ؛ حيث إنه حسب قول القدماء : القواعد الممهدة لاستنباط الحكم الشرعي الفرعي)[4] مع قيد الكلي.
وعرفه بعض الأعلام بأنه : العلم بالقواعد التي تقع نتيجتها في طريق استنباط الحكم الشرعي الكلي الإلهي من دون حاجة الى ضميمة كبرى أو صغرى أصولية أخرى إليها[5].
وكذلك الحال في مباحث التعارض؛ فإن البحث يقع في أن خبري الثقة مثلاً أو ظاهري الكتاب فرضاً  لو تعارضا فهل كلاهما حجة تخييرية أو أحدهما معيناً أو يتساقطان؟
والثالث هو مقتضى الأصل الأولي، على المبنى، و التخيير هو مقتضى الأصل الثانوي في الخبرين المتعارضين للدليل الخاص والراجح منهما حجة إن كان المرجح من المرجحات المنصوصة أو مطلقاً على الخلاف ؛ فإذن البحث يكون عن الحجة التي تقع كبرى قياس الاستنباط.
وأما مباحث الألفاظ والاستلزامات من حيث ذاته أعم من ما مُهّد للاستنباط في علم الأصول؛ فإن (الأمر ظاهر في الوجوب) أو (أنه عقيب الحظر ظاهر في الإباحة) بحث عام غير خاص بعلم الأصول، عكس ظواهر الكتاب حجة أم لا؟ والأجماع المنقول على حكم أو رواية عن المعصوم حجة أم لا؟ وكذلك سائر مباحث الألفاظ والاستلزامات ونظائرها، إذ يبحث عن امكان اجتماع الأمر والنهي في حد ذاته لا عن خصوص ما ورد منهما في الكتاب والسنة ، عكس ظواهر الكتاب حجة فإنه من حيث ذاته قد مُهّد لاستنباط الحكم الشرعي الكلي الإلهي،  وكذلك حجية كلا أو أحد الخبرين المتعارضين أو عدمها فإن البحث فيها هو عن خصوص ما ورد في الكتاب والسنة.
نعم، إنما أُدخلت هذه المباحث في علم الأصول-  وإن عدّها قوم من المبادئ التصديقية- لكثرة الحاجة اليها في هذا  العلم ،  بل بضميمة قيد إليها به تصلح أن ينطبق عليها الضابط السابق فتكون مسألة أصولية بأن يقال: إن المشتق – مثلاً- الوارد في الكتاب والسنة أو من حيث وروده في الكتاب والسنة هل هو ظاهر في الوجوب أم لا؟ وهل يستلزم إيجاب الشيء شرعاً وجوب مقدمته عقلاً أو شرعاً؟ وهل يعقل اجتماع امر الشارع ونهيه؟ فتأمل[6] .
وأما مباحث الأصول العلمية فهي متأخرة رتبة عن مباحث الحجج و التعارض؛ إذ لاتصل النوبة إليها إلا بعد فقد الدليل والحجة ولو بالتساقط بالتعارض[7].

الفائدة الثانية: من معاني الحجة في علم الأصول: الكاشف، والانكشاف، والمنجز والمعذر، و ما يجب الحركة على طبقه، والأدلة الشرعية، والأوسط في القياس، ولكن يرد على الثالث أنه صفة للمعلوم في حين الذي تدل عليه الحجة منكشف لا صفة، وعلى الرابع أنهما لازمان للحجة لا عينها، وعلى الخامس ما ورد على الرابع، وعلى السادس أنه تفسير بالمصداق، وعلى السابع يلزم خروج الطرق والأمارات لأنها لا تقع أوسط.

إن المعاني التي استعملت فيها (الحجة ) حسب الاستقراء[8] بلغت عشرة، وهي:

المعنى الأول: الحجة بالمعنى  اللغوي؛ وهي: ((ما يحتج به المولى على عبده، أو ما يحتج به العبد على مولاه، أو النظير على نظيره،  قال في مجمع البحرين: ((وهي الاسم من الاحتجاج))[9]، وقيل : ((الحجة: البرهان)) و((الحجيج: المغالب بإظهار الحجة)) و((المحجوج: المغلوب بالحجة))[10] .
وهذا المعنى للحجة هو ظاهر آيات عديدة، قال تعالى ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾[11] وقال جل اسمه: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾[12] و﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ﴾[13] و ﴿فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ﴾[14]، كما تقول ((حاجَّ فلاناً فحجّه)) غلبة بالحجة ،وسميت ((الحجة)) حجة؛ لأنها تقصد.

المعنى الثاني: الحجة بمعنى الكاشف، وهو أحد معانيها المذكورة في علم الأصول؛ سواء كان كشفاً تاماً عن الواقع  كالقطع على رأيهم، وخصوص العلم من فرديه على ما نراه ، أو كشفاً ناقصاً مع وجود متمم لكاشفيتها  وذلك كالظنون المعتبرة.

المعنى الثالث: الحجة بمعنى الانكشاف ؛ فالقطع حجة بمعنى أنه عين الانكشاف للواقع [15]،كما هو رأي المحقق الأصفهاني قدس سره في نهاية الدراية.
وفيه ما لا يخفى؛ إذ إضافة إلى أنه: لا تلازم بين القول بأن القطع عين الانكشاف وبين القول بأن الحجية تعني الانكشاف؛ أن الانكشاف صفة المعلوم وما دلت عليه الحجة أو أوصلت إليه فإنه منكشف وليس صفة للعلم ولا لمطلق القطع[16].
وبعبارة أخرى الانكشاف  لازم الكاشفية ، وأما الكاشفية  فهي لازم خصوص العلم أو مطلق القطع [17] أو عينه.
نعم ، له أن يقول [18]: إن العلم [19] ـ وكذا القطع ـ عين الانكشاف للنفس أي للعالم [20]، إلا أنه أجنبي من مباحث الحجية في الأصول؛ إذ الكلام فيها عن الحجة  على الخارج [21] لا الحجة  بالقياس للداخل أي النفس؛ فإنه بحث يتعلق بأحوال النفس التي كان يبحث عنها قديماً في الفلسفة أو الكلام، وليس بحثاً أصولياً. هذا.
إضافة إلى النقاش في المبنى، وسيأتي في بحث العلم الحضوري[22]، إن شاء الله تعالى.

المعنى الرابع: الحجة بمعنى المنجز والمعذر كما ذهب إليه جمع آخر من الأصوليين [23] ،فإن خبر الواحد حجة  أي أنه منجز وموجب لاستحقاق العقاب لدى الإصابة، ومعذر لدى الخطأ.
وفيه: أن المنجزية والمعذرية لازمان للحجة وليستا عينها، فإن التنجيز  والإعذار لازم صحة الإحتجاج به[24]، أو لازم الكاشفية أو الإنكشاف فليس حملها عليها حمل هو هو، بل هو حمل ذو هو ؛ إضافة إلى أن الحجية بهذا المعنى تناسب علم الكلام لا علم الأصول.

المعنى الخامس: الحجة بمعنى ما يجب الحركة على طبقه؛ فالحجية هنا تعني لزوم الامتثال ، وهذا حجة،  أي واجب امتثاله والحركة على حسب مقتضاه.
ويرد عليه: مما ورد على سابقه .
ولا يرد عليه: أنه أعم من الفقه لورود مثله ـ نقضاً ـ على المعنى الأول والثاني.
والحلّ: أنه بلحاظ الأصول، أو يضاف له قيد الاشتراك كما صنعنا في تعريف موضوع الأصول.

المعنى السادس: الحجة بمعنى الأدلة الشرعية من الطرق والأمارات؛ وهي التي تقع وسطاً لإثبات متعلقاتها بحسب الجعل الشرعي من دون أن يكون بينها وبين المتعلقات علقة ثبوتية بوجه من الوجوه[25]؛ فهي واسطة في الإثبات لا في الثبوت ؛فإن خبر الواحد أو البينة  حجة أي دليل شرعي على مؤداه ومما يثبت به الحجة.
وفيه: أن هذا المعنى هو تفسير بالمصداق؛ لأن الأدلة الشرعية  هي مصداق الحجة.
وبعبارة أخرى: هذا مصداق للمعنى اللغوي، ولا يضاد سائر الأقوال؛ إذ يمكن لقائله أن يلتزم بالمعنى الثاني وهو مسلك الكاشفية ، أو الرابع وهو مسلك المنجزية، أو الخامس وهو مسلك لزوم الإتباع ،  أو الثامن وهو الحجة التكوينية ؛  فإنها محرِّكات نحو المطلوب اقتضاءً ، أو التاسع وهو الحجة المعرفية، اللهم إلا أن يراد به : بلحاظ الأصول[26].
ولكن قد يناقش فيه أيضاً: بأن نفي العلقة الثبوتية مطلقاً غير تام؛ إذ الظاهر أن كل ما اعتبره الشارع حجة من الأدلة فإنه كاشف ناقص عن الواقع، وقد تمَّم الشارعُ الكشفَ، فلا يصح القول ((من دون أن..))؛ إذ العلقة هي الكاشفية الذاتية ـ وإن الناقصة ـ لخبر الواحد مثلاً عن المؤدى، اللهم إلا أن يراد بـ«العلقة الثبوتية» رابطة كرابطة العلية والمعلولية وأن الكاشفية رابطة وعلقة إثباتية، فتأمل.
كما قد يناقش أيضاً: بأن الأدلة الشرعية  أعم مما كان بحسب الجعل الشرعي ومما كان بإمضاء الشارع، إلا أن يراد بالجعل الشرعي‏ الأعم منهما، وعلى أي فتحقيق الكلام حول ذلك يترك لمحله.

المعنى السابع: الحجة بمعنى الأوسط في القياس؛ وهذا المعنى للحجية أحد الاصطلاحين المنطقيين[27]، وهي التي لوحظ فيها أن يكون الأوسط علة ، أو معلولاً  للأكبر، أو ملازماً ، فالأول كقولك:  العالم ممكن، وكل ممكن محتاج؛ فإن الإمكان علة الحاجة.
والثاني: كقولك: العالم متغير، وكل متغير حادث، فإن التغيير معلول الحدوث.
والثالث: كقولك: العالم متغير، وكل متغير محتاج،  أو العكس[28] ؛ فإن التغير والاحتجاج متلازمان، وكلاهما معلول لعله ثالثه هي الإمكان.
فإطلاق الحجة على الطرق والأمارات المعتبرة شرعاً  على هذا يراد به :  الأوسط الذي به يحتج على ثبوت الأكبر للأصغر، ويصير واسطة للقطع بثبوته له، كالتغير لإثبات حدوث العالم... فقولنا: الظن حجة أو البينة حجة، يراد به كون هذه الأمور أوساطاً لإثبات أحكام متعلقاتها[29]، بل هو تعريف بالمساوي[30].
لكن يرد على الشيخ قدس سره: المعنى هو تفسير بالمصداق كالقطع تماماً، وبنفس دليله الذي ذكره ؛ لعدم صحة وقوع القطع ((جزء الأوسط)) من ثبوت الحكم للموضوع بما هو هو، لا بما هو مقطوع الخمرية؛ لورود مثله في الظن كما سبق[31].
نعم ، لو لوحظ عند إقحامه في الأوسط، كونه طريقاً وكاشفاً عنه فقط لا جزء الموضوع صح، لكن يصح مثل ذلك في القطع أيضاً.
والحاصل: أنه لو أريد مرحلة الثبوت فإن الحكم- كالحرمة-  ثابت للموضوع- كالخمر-  في متن الواقع من غير توقفه على قطع أو ظن؛ وإلا للزم التصويب، وإن أريد مرحلة الإثبات فإنه يثبت له بكل منهما[32]، هذا.
إضافة: إلى أنه لو قيد الأوسط بما يصير واسطة للقطع بثبوته له ـ كما صرح به في كلامه ـ لما شمل الظن المعتبر كالبينة؛ فإنه واسطة للظن بثبوته له، أي ثبوت الأكبر للأصغر.
اللهم إلا أن يراد القطع التعبدي أو القطع بالحكم الظاهري وإن كان الطريق ظنياً، فتأمل[33].

المعنى الثامن: الحجة بالمعنى المحرك التكويني، أي الدافعية والمحركية الذاتية التكوينية وقد أطلقت على القطع وسائر الحجج، لكونها ذات محركية تكوينية نحو المطلوب، فالقطع حجة  أي أن له دافعية ذاتية للقاطع نحو الحركة المنسجمة مع قطعه، أي الحركة على طبق قطعه؛ فمثلاً قولك خبر الواحد حجة ، أي أنه محرك تكويناً نحو مؤداه.
ولكن يرد عليه:
أولاً: أجنبية مفهوم المحركية التكوينية عن مفهوم الحجية؛ فإنهما متباينان.
وثانياً: أن الحجة ـ كالقطع والظن المعتبر ـ مقتضٍ للحركة على طبقه وليس علة؛ ولذا تنفك عنه؛ ومن ذلك نجد كثرة العصاة رغم علمهم بالأمر أو  النهي الإلهي، إلا أن يقال: بأن المقصود: أن اقتضاء المحركية ذاتي للحجة، لا أنه نفس المحركية أي الفعلية؛ وإلا لما انفكت عن التحرك.
والحاصل: إن الدافعية والمحركية اقتضاءً هي إحدى خواص الحجة، غاية الأمر أنها ـ أي اقتضاؤها للمحركية ـ خصوصية ذاتية لها لو فرض عدم انفكاكها عنها وانتزاعها من حاق ذاتها[34] فليست هي هي.

المعنى التاسع: الحجة بالمعنى المعرفي أو الحجة المعرفية ، ويراد بها أمران:
أولهما: معرفة علة ووجه كون حجةٍ معينةٍ - كالعلم وخبر الواحد والبينة - حجة وذات قيمة ذاتية أو عرضية[35].
ثانيهما: إضافة إلى المقياس في كونها حقاً أو مصيبة، أي مقياس حقانية الحجة ومدى موضوعيتها[36] ؛ أي منشأ وعلل كون هذا مما يصح الاحتجاج به أو منجزاً معذراً أو كاشفاً، وعدم كون ذاك كذلك، ومقاييس كون هذه الحجة أو تلك حقاً أو موضوعية، أي ما هو المقياس لذلك، والأول ثبوتي، والثاني إثباتي.
والحاصل: أنه يوجد أمران: العلة التي بها يكون الشيء حجة، والمقياس الذي تقاس به حجية الشيء، فالعلة مثلاً: كونها كاشفاً عن الواقع مطلقاً أو في الجملة أي كشفاً تاماً أو ناقصاً، والعلة أيضاً صدوره ـ أي الأمر مثلاً ـ من المولى، فهو حجة  أي لازم الحركة على طبقه، ومنجز ومعذر، وهكذا.
ولكن ما هو المقياس لمعرفة كونه كاشفاً عن الواقع كذلك؟ فهل هو الاستقراء؟ أو بناء العقلاء؟ أو الحدس؟ وهكذا، وكذلك ما هو المقياس لكونه ((مولى)) أو ذا سلطة؟
ولا يخفى: أجنبية هذا المعنى بشقيّه  عن مفهوم الحجة والحجية؛ لأنه بحث عن منشأها وعلة حجيتها وعن المقياس إثباتاً في معرفة ذلك، وأين علة الشيء وطريق معرفته منه[37] ؟.

المعنى العاشر: معنى الحجة حسب الاصطلاح المنطقي ؛ وهي تصديقات معلومة موصلة إلى تصديق مجهول، أو كل ما تألف من قضايا أريد بها الوصول إلى مطلوب ما[38]، وموضوع المنطق هو المعلومات التصورية والتصديقية من حيث إنها توصل إلى مجهول تصوري أو تصديقي[39]، و ليس المراد أنها مطلقاً موضوع المنطق، بل هي مقيدة بصحة الإيصال، موضوع له.[40]، وواضح أن المعلومات التصورية هي المعرِّف، والمعلومات التصديقية هي الحجة؛ وذلك كالقياس القِراني والاستثنائي، ولا يخفى أن الحجة المنطقية هي مصداق من مصاديق الحجة سواء أخذت بالمعنى الأول، أم الثاني، أم غيرهما[41].
ولا يخفى أيضاً اختلاف هذا المعنى عن المعنى السادس الذي صار إليه الميرزا النائيني قدس سره؛ إذ يراد به أمثال البينة وخبر الواحد والظواهر، نعم قد يجتمعان[42].
وحيث لم يكن الهدف من هذا «الحجة  المنطقية»، لم نستقص البحث حولها، وحول عدد من المعاني الأخرى، وإلا فإن للبحث عنها وعن الحجة بالمعنى التاسع خاصة مجالاً واسعاً، وقد نوفق للكتابة عنها لاحقاً بإذن الله تعالى[43].

الفائدة الثانية: أن تعريف الشيخ للحجة بأنها  ( بما يوجب القطع بالمطلوب ) غير تام ؛ لأنه تعريف بالمصداق وليس تعريفاً للمفهوم ؛ فإن الحجة تصدق على خبر الثقة والظواهر وتعريف الشيخ لا ينطبق على ذلك ؛ حيث إن خبر الثقة يورث الظن لا القطع بالواقع، وكذا الحال عادة في الظواهر.    
قال الشيخ قدس سره : ( إن كون القطع حجة غير معقول ؛ لأن الحجة ما يوجب القطع بالمطلوب ؛ فلا يطلق على نفس القطع) [44].
وفيه: أن قوله قدس سره  : (( إن الحجة ما أوجبت القطع بالمطلوب )) غير صحيح ؛ لأن تعريف الحجة لغة هو:  ما يحتج به المولى على عبده ، أو ما يحتج به العبد على مولاه ؛ وهو المتبادر عرفاً  من الحجة أيضاً، وهذا المعنى للحجة كما ينطبق على القطع  ينطبق على الظن المعتبر أيضاً ؛ لأن القطع يحتج به العبد على المولى ؛ فيقول كنت قاطعاً بعدم محرمية عشر رضعات فتزوجت من المرتضعة معي عشراً، ويقول أيضاً كنت قاطعاً بعدم وجوب الصيام عليّ فلم أصم ؛ وعلى هذا ليس للمولى أن يعاقبه، وكذا في المقابل يحتج به المولى على عبده ؛ ويقول له : إنك كنت قاطعاً بحرمة الغيبة فلِم اغتبت ؟
إذن هذا التعريف اللغوي ينطبق على القطع ؛ وليس القطع متعلقاً للحجة كما قال الشيخ قدس سره ، بل هو الحجة بعينها ؛ بل هو حجة الحجج ، وأما التعريف الاصطلاحي للحجة فقد عرفت بعدة تعاريف :
منها :أنها المنجز والمعذر [45]؛ ولا شك بأن القطع منجز ومعذر، فهو حجة بحسب هذا التعريف .
ومنها : أنها ما يجب أتباعها  ؛ والقطع يجب أتباعه عقلاً  .
 ومنها: أنها  الكاشف أو المنكشف ؛ والقطع بلا شك كاشف وفيه انكشاف؛  وصدقها على القطع بالحمل الشايع الصناعي لا شك فيه، فالقطع كاشف، بل كاشفيته ذاتية حسب المشهور.
ونحن نقول: إن العلم كاشفيته ذاتية عكس من يقول :إن القطع- الأعم من العلم والجهل المركب- كاشفيته ذاتية ؛ لذا يكون تعريف الشيخ للحجة هو تعريف بالمصداق ؛ لأن قوله : ((ما يوجب القطع بالمطلوب))  مصداق من مصاديق الحجة[46]؛ والدليل على ذلك - غير التبادر الذي سبق ذكره وكذا تعريف اللغويين - أن الحجة [47] تصدق على خبر الثقة والظواهر رغم أن تعريف الشيخ لا ينطبق عليها ؛ فإن خبر الثقة لا يوجب القطع بالحكم الشرعي [48] بل يورث الظن، وكذلك الظواهر وغيرها كالبينة والإقرار فأنها لا تورث القطع بالواقع ، بل عادة تورث الظن.
والحاصل: أن تعريف الشيخ قدس سره للحجة كان تعريفاً بالأخص أو تعريفاً بالمصداق، وليس تعريفاً للمفهوم [49] .

 

----------------------------
* هذه المباحث الاصولية تجميع لما طرحه سماحة السيد في مختلف كتبه وبحوثه، قام باعدادها وجمعها و ترتيبها مشكوراً فضيلة الشيخ عطاء شاهين وفقه الله تعالى
[1] وهو التعريف أختاره الماتن في عدة مباحث ، منها مباحث الاجتهاد والتقليد.
[2] انظر: قوانين الأصول:ص9 ، والفصول الغروية : ص11، وكفاية الأصول :ص8.
[3] - على تفصيل بين التعريفين الاخيرين في صدق ضابط موضوع العلم المدعى وهو (موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه  الذاتية) مع مناقشة الضابط في حد ذاته كما فصلناه في محله
[4] انظر:  هداية المسترشدين : ج1ص 97.
[5] انظر: محاضرات في أصول الفقه : ج1ص4.
[6] إذ التقييد لغو مع اتحاد حكم المذكور في الأصول عن غيره ، اللهم إلا لو كان لوجود اللفظ - كالأمر أو الحكم العقلي كاستلزام وجوب ذي المقدمة لوجوب ذيها  - في خصوص الكتاب والسنة  حكم خاص يغاير ما هو لطبيعيها، فتدبر.
[7] مباحث التعارض : الدرس الأول.
[8] وهو استقراء ناقص، ولعل المتتبع يكتشف معاني أو موارد استعمال أخرى.
[9] مجمع البحرين: ج2ص 286.
[10] انظر: لسان العرب : ج2ص228.
[11] سورة الأنعام: 149.
[12] سورة النساء: 165.
[13] سورة  البقرة: 258.
[14] سورة آل عمران: 61.
[15] أي عين انكشاف الواقع للنفس.
[16] اللهم إلا بتغيير المضاف إليه، أو المقيس إليه أي العلم بالقياس للنفس لا بالقياس للمعلوم، وسيأتي بإذن الله تعالى.
[17] على رأي.
[18] ولعله مقصوده.
[19] أي الصورة العلمية الحاصلة من الشيء، فإنها معلومة بالعلم الحضوري، لا بصورة أخرى، فهي عين الإنكشاف للنفس.
[20] أو أن (العلم الحضوري)، هو عين الإنكشاف، وفيه: أن الكلام في (الأصول) عن: العلم الحصولي، والظن والشك ـ وهما البتة حصوليان ـ لا العلم الحضوري.
[21] أي (الحجة) على مرادات الشارع أو أحكامه أو الوظيفة فـ(خبر الواحد حجة) أو القطع حجة أي حجة على وجود هذا الحكم للشارع أم لا؟ لا أنه حجة أي منكشف للنفس ـ هذا الخبر ـ تاماً أو ناقصاً؟
[22] من أن (العلم) بمعنى (الصورة الذهنية) ليس عين الإنكشاف للنفس، وكذا مطلق العلم الحضوري؛ فإن ملاك العلم ليس الحصول ولا الحضور، بل النور.
[23] ومنهم الآخوند الخراساني قدس سره.
[24] فكلما صح احتجاج المولى به على العبد ـ وهو المعنى اللغوي ـ فهو منجز، وكلما صح احتجاج العبد به على مولاه فهو معذّر.
[25] فوائد الأصول :ج3 ص7.
وأوضح منه  : الأدلة التي اعتبرها الشارع دليلاً على متعلقاتها، بدون أن تكون هنالك ملازمة بينها وبين متعلقاتها) وذلك كالبينة وفتوى المجتهد وخبر الواحد والشهرة.
[26] أي الحجة التي يبحث عنها في الأصول هي: (الأدلة الشرعية، من الطرق والأمارات...)
[27] سيأتي المصطلح المنطقي الآخر للحجة في الرقم العاشر بإذن الله تعالى.
[28] ولا ينقض بالمجردات كالعقل ؛ إذ لا مجرد سوى الله تعالى، صغرى، وللتأمل في الكبرى.
[29] الرسائل أول بحث القطع  بتصرف.
[30] إذا عرف بالأوسط، والمقصود بالمساوي هنا المرادف.
[31] فإن الحكم ثابت للخمر بما هي هي، لا بما هي مظنونة الخمرية.
[32] أي بالقطع أو الظن المعتبر.
[33] فصلنا الحديث حول ذلك وحول الحكم الظاهري  بمعانيه الخمسة على ما استظهرناه  في مباحث القطع.
[34] وهذا بناء على مسلك (التوليد) أو (الإعداد) دون (التوافي) ، فتأمل.
[35] ذو القيمة الذاتية كـ: (العلم) وكلام المعصوم صلوات الله عليه، و(الأصيل)، وذو القيمة العرضية ـ أي الإكتسابية ـ كخبر الواحد وكلام الفقيه و(الوكيل)، وقد مثلنا بذلك للثبوت وللإثبات.
[36] في قبال تحيزها.
[37] وقد نقّحنا جانباً من هذا الموضوع في كتاب (نقد نسبية اللغة والمعرفة).
[38] قال في منطق المظفر: (والحجة عندهم عبارة عما يتألف من قضايا يتجه بها إلى مطلوب يستحصل بها) ـ الباب الخامس ـ الحجة وهيئة تأليفها.
[39] الرسالة الشمسية: ص68.
[40]  نفس المصدر: ص72.
[41] المعنى الأول: ما يحتج به المولى على عبده، وبالعكس، والمعنى الثاني: الكاشف وهكذا.
[42] كما لو صيغت الظواهر على أحد الأشكال الأربعة مثلاً، لتنتج تصديقاً مجهولاً، ولتثبت المتعلق.
[43] الحجة معانيها ومصاديقها: ص50.
[44] فرائد الأصول: ج1 ص 30 ، وهذا المقطع من كلامه قدس سره حرك ساحة البحث بشدة ،  وأوقع الكثير في الشك والتحير.
[45] كفاية الأصول : ص 258 ، حيث قال قدس سره:  لا شبهة في وجوب العمل على وفق القطع عقلا ، ولزوم الحركة على طبقه جزما ، وكونه موجبا لتنجز التكليف الفعلي فيما أصاب باستحقاق الذم والعقاب على مخالفته ، وعذرا فيما أخطأ قصورا ، وتأثيره في ذلك لازم ، وصريح الوجدان به شاهد وحاكم ، فلا حاجة إلى مزيد بيان وإقامة برهان.
[46] كالتواتر حيث يورث القطع بالصدور.
[47]  حتى عند الشيخ.
[48] أي لا يوجب القطع بالحكم الشرعي الثبوتي وإن اوجب القطع بالحكم الظاهري.
[49] الاجتهاد والتقليد: ص415.

 

 

  طباعة  ||  أخبر صديقك  ||  إضافة تعليق  ||  التاريخ : 11 جمادى الأولى 1439هـ  ||  القرّاء : 3184



 
 

برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net