||   بسم الله الرحمن الرحيم | اللهم كُن لوليّك الحُجَّة بن الحَسَن صَلواتُكَ عَليه وَعَلى آبائه في هذه السّاعة وفي كُلّ سَاعَة وَليّاً وَحَافِظا وَقائِداً وَ ناصراً ودَليلاً وَ عَينا حَتّى تُسكِنَه أرضَك طَوعاً وَتُمَتِعَه فيها طَوِيلاً | برحمتك يا أرحم الراحمين   ||   اهلا وسهلا بكم في الموقع   ||  
إتصل بنا         


  




 48- بحث اصولي: حكم تقييد المثبتين اذا كانا من سنخين

 الأوامر المولوية والإرشادية

 قسوة القلب

 214- مباحث الاصول -الفوائد الأصولية (الدليل العقلي) (5)

 217- مباحث الاصول: الفوائد الأصولية (الدليل العقلي) (8)

 202- التنويم المغناطيسي والايحائي السلاح الاكبر بايدي الاديان والفرق الضالة

 132- من فقه الحديث: التفقه في حديث (إن فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله...) ودلالتها على العصمة الإلهية للسيدة فاطمة الزهراء عليها السلام

 228- (الامة الواحدة) على مستوى النشأة والذات والغاية والملّة والقيادة

 131- بحث عقدي: في تفويض أمر الدين والأمة للمعصومين (عليهم السلام) والمعاني المتصورة في كيفية التفويض

 252- الرحمة النبوية على المستوى الشخصي والمولوي والتقنيني وموقع اللين والرحمة في صناعة الاطار العام لعملية الاستنباط و في القيادة



 التشيّع مصان ومحفوظ بقوّة غيبية والتشكيك والمعادي مصيرهما الخيبة والزوال

 رزايا العنف وغلق قنوات الحوار

 لنَعْتبِرْ قبل فوات الأوان



 موسوعة الفقه للامام الشيرازي على موقع مؤسسة التقى الثقافية

 استراتيجية مكافحة الفقر في منهج الإمام علي (عليه السلام)

 المرابطة في زمن الغيبة الكبرى (المقدمات ، المتقدمات ، المُمَهِّدَات ، المسؤوليات)

 نقد الهرمينوطيقا ونسبية الحقيقة والمعرفة

 فقه الرشوة

 204- مناشئ الانحراف والضلالة : الغرور والاستعلاء والجهل الشامل

 حجية مراسيل الثقات المعتمدة - الصدوق و الطوسي نموذجاً -

 203- محاكمة اسلحة الفرق الضالة : الايحاء المغناطيسي والخدع العلمية ومغالطة الكبرى والصغرى

 205- مناشيء الانحراف والضلال : المؤامرات الدولية على الاديان والمذاهب وموقع مراكز الدراسات وبلورة الرؤى في المعادلة

 الأجوبة على مسائل من علم الدراية



  • الأقسام : 65

  • المواضيع : 2799

  • التصفحات : 3234573

  • التاريخ : 21/11/2017 - 04:49

 
 
  • القسم : الفوائد والبحوث .

        • الموضوع : 178- مباحث الأصول: (مبحث الأمر والنهي) (6) .

178- مباحث الأصول: (مبحث الأمر والنهي) (6)
4 شوال 1438هـ

الفائدة الثامنة: كلما تعلق الأمر بالعنوان وجب الاحتياط في محصله .

إن الأمر تارة يتعلق بالسبب ، وتارة أخرى يتعلق بالمسبب، والأول كفري الأوداج لحصول الحلية ؛  والثاني كالتذكية ؛  ففي الثاني يجب الاحتياط بالإتيان بكل ما يحتمل مدخليته في تحقق العنوان [1] ؛ من شرط محتمل  أو رفع مانع مشكوك ؛ فإنه لو  لم يفعل لما أحرز تحقق العنوان وهو : ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [2] ؛ كما لو قطعنا الأوداج بالأستيل ؛ فإن قلنا : بأن الأمر قد تعلق بالسبب  وقد تحقق الفري للأوداج فهو حلال .
 وأما إذا قلنا : بأن الحكم [3] قد علِّق على التذكية ؛  فلابد من إحراز كل ما له مدخلية في تحققها ؛ وعند الشك في تحقق التذكية بالأستيل أم بالحديد  فهنا لابد من الاحتياط بعدم الأكل من ذلك اللحم  للشك في حصول التذكية .
والحاصل : إذا تعلق الأمر بالعنوان وشك في محصله فالمجرى الاحتياط .
بحث تطبيقي:
في قوله عليه السلام  ((فللعوام أن يقلدوه))[4] أمر تعلق بالتقليد وهو عنوان ؛ فإذا شككنا في أن هذا العنوان يتحقق لو لم أقلد في المستحبات ونحوها أم لا؟ فالاحتياط يقتضي أن أقلد فيها ، وكذلك الحال في الاجتهاد لقوله تعالى : ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾[5]  و قوله عليه السلام: ((تفقهوا في الدين فإنه من لم يتفقه منكم فهو أعرابي )) [6]، فإذا شككت هل تحقق الامتثال بالاجتهاد فقط في الإلزاميات فالاحتياط يقتضي الاجتهاد مطلقاً [7].
بحث تطبيقي آخر:
في قوله تعالى : ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ [8] فهو عنوان تعلق الأمر به ؛ فإذا شككنا في محصله هل  هو صرف الاستشارة ، أم الاستشارة مع الأخذ برأي المستشار ؟  فهنا يجب الاحتياط بالاستشارة مع الأخذ برأي المستشار . فائدة : للأمر أربعة صور ، فهو تارة يتعلق بالمركب الخارجي والمرجع لفهمه العرف ،  وأخرى يتعلق بالمركبات الاعتبارية المخترعة فلابد من الاجتهاد أو التقليد  لفهمه، وثالثة يتعلق بالأثر والنتيجة فلا بد من الاحتياط لتحصيل ذلك، ورابعة يتعلق بالمركب الحقيقي فلابد من الاحتياط لتحصيل الغرض.
الصورة الأولى : فيما لو تعلق الأمر بالمركب الخارجي ؛ والمرجع في نفي الجزئية أو الشرطية هو العرف  ، كما لو قال المولى لعبده: ((ابن لي بيتاً)) فشك أن غرفة الاستقبال أو الحديقة الخلفية هي جزء أم لا ؟  فالمرجع في نفي الجزئية هو العرف ،  فلا توجد ثمة مشكلة[9].
الصورة الثانية :فيما لو تعلق الأمر بالماهيات المخترعة ، مثل الصلاة فهي مركب اعتباري ، فلو شككنا في كون هذا شرطاً - كقصد الوجه وقصد التمييز ، أو كون ذاك جزءاً كجلسة الاستراحة -  فهنا لا نستطيع أن نرجع الى العرف ؛ لأنها ماهيه مُخترعة لم يعهدها العرف من قبل ؛ والفرض أن الشارع ساكت فيما وصل إلينا ؛ ولعل النص قد فقد ؛ فنشك إذا لم نأت بذلك الجزء [10] هل تحقق أم لا؟  والأصل العدم .
 فينبغي هنا الاحتياط بسلوك طريق الاجتهاد أو التقليد لتحصيل الحجة على الجزئية أو على نفيها ، أما المحتاط فغير قادر على ذلك ؛ لأنه لا يستطيع أن يقصد الأمر أو يقصد وجه الأمر[11]،  وكيف يقصده  وهو  لا علم له بالأمر ؟ ؛  فلا يجزي طريق الاحتياط .
الصورة الثالثة: فيما لو تعلق الأمر بالأثر أو النتيجة -  كما في قوله تعالى :﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾[12] فلم يتعلق الأمر بالمركب الاعتباري وهو الغسل في المقام وإنما تعلق بالنتيجة التي هي  التطهُر ، وهذه هي الصورة المصطلح عليها : العنوان والمحصل - فالملتزم فيها وجوب الاحتياط بالإتيان بكل ما احتمل دخله في  العنوان[13] ؛ فلو شككت إني لم أغسل هذه المنطقة الوسطى من الإذن المشكوك كونها من الداخل أو الخارج  في تحقق ذلك الإثر -  أي المأمور به وهو:﴿ فَاطَّهَّرُوا﴾- فيجب أن اغسل الجزء المشكوك لكي أحرز إفراغ ذمتي من المأمور به [14].
الصورة الرابعة :فيما لو تعلق الأمر بالمركب الحقيقي[15] ،  لكن كانت الشبهة ناشئة من جهة الغرض [16] ، فهذا المركب وإن كان مركباً حقيقياً لكن لو علمتُ أن المولى - كما نعلم ذلك في الشارع و أنه ينطلق في أحكامه من مصالح ومفاسد في المتعلقات -  قال: ابن لي بيتاً ، وشككت أني لو لم ابن غرفة الاستقبال الواسعة فهل أن غرض المولى تحقق أم لا؟  فالمجرى هنا الاحتياط لا لأجل الأمر بل لأجل الغرض ؛ فالأمر قد تحقق في هذا المركب العرفي الخارجي الحقيقي ولا يعلم كون هذا جزءً ،  ولكن المشكلة تنشأ من الغرض [17].
وهذا وجه من الوجوه التي يمكن أن تقال من باب الحائطة على أغراض المولى الملزمة ؛ فلا بد من الإتيان بمشكوك الجزئية أو الشرطية.
 ثم إن الوجه الثالث هو الأقل تداولاً في العبادات  ؛ لأن أكثر ما  تتعلق الأوامر الشرعية بالمركبات مباشرة ؛  كما في قوله تعالى : ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾[18]  وقوله تعالى : ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾[19] و قوله تعالى : ﴿وَلِلَّـهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾[20]   وأما تعلق الأوامر بالعناوين [21] كما  في قوله تعالى : ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّر﴾ [22]  فقليل [23].
 
الفائدة التاسعة: هناك ثلاثة أقوال رئيسية في اقتضاء النهي عن المعاملة للفساد، فقيل بالفساد مطلقاً ، وقيل بالتفصيل بين السبب والمسبب، وقيل بالتفصيل .
الرأي الأول: أن النهي في المعاملات لا يقتضي الفساد مطلقاً، وهذا ما ذهب إليه صاحب الكفاية قدس سره وإن كان قد نقضه بعد صفحتين، ولكن الظاهر أنه قد بنى عليه [24] .
 الرأي الثاني:  وهو القول بالتفصيل ، وهو أن النهي المتعلق بالسبب لا يدل على الفساد ولا يقتضي ذلك، وأما النهي المتعلق بالمسبب فيقتضي الفساد.
 ومثال الأول: كما في  النهي عن البيع وقت النداء لصلاة الجمعة، حيث إن المسبب ـ وهو النقل والانتقال ـ لا مشكلة فيه من حيث هو هو، إنما المشكلة في نفس الانشغال بالبيع وقت النداء للصلاة .
 ومثال الثاني : كما في لما النهي  عن بيع المصحف للكافر، فإن البيع بما هو هو لا مشكلة فيه، ولكن المشكلة في المقام في المتعلَّق، فإن المصحف لا يصح ـ على المشهور(1) ـ أن يكون مملوكاً للكافر، حيث لا يصح أن تكون سلطة للكافر على كتاب الله العزيز، وهذا ما ذهب إليه المحقق النائيني قدس سره [25].
الرأي الثالث: أن النهي في المعاملات يدل على الفساد مطلقاً، وهو رأي السيد الوالد[26]، وقد شقق بحثه هناك إلى تسع صور، وإجمالاً فإنه يرى في ثمان صور أن النهي في المعاملة يدل على الفساد، أما الصورة الأخيرة فيرى فيها أن النهي لا يدل على الفساد[27].

الفائدة العاشرة: هناك خلاف في النهي  الذي يقتضي للفساد في المعاملة ،بأن هل يشمل  النهي المولوي والإرشادي أم هو خاص بالأول.
ذهب البعض إلى أن النهي الإرشادي لا يدل على الفساد، وأما النهي المولوي فيدل عليه، ولكن السيد الخوئي[28] يعكس الأمر، حيث يقول: إن النهي الإرشادي يدل على الفساد، وأما المولوي ـ في المعاملات - فلا، وأما السيد الوالد فإنه أطلق القول: بأن كلا النهيين يدل على الفساد[29].

الفائدة الحادية عشر: إن كلمة ( يقتضي ) تشير إلى عالم الثبوت ، وأما كلمة( يدل ) فتشير إلى عالم الإثبات ، فيصح استخدام الكلمتين بأن يقال: النهي يقتضي أو يدل على  الفساد، والاستشكال على  الأخيرة :(بأن النهي لا قضاء فيه) في غير محله.
هل أن الصحيح استخدام كلمة (يقتضي) أو استخدام كلمة (يدل)؟ والفرق بينهما جلي؛ لأن كلمة يقتضي تشير إلى عالم الثبوت، أما كلمة يدل فتشير إلى عالم الإثبات، والمستظهر هو الأعم، وأن النهي يدل ويقتضي الفساد، أي: إنه ثبوتاً يقتضيه، وإثباتاً يدل عليه، ولكن البعض استشكل على كلمة يقتضي؛ حيث إن النهي لا قضاء فيه، فاستخدام كلمة يقتضي خاطئ، ولكن هذا وهم وخلط بين قضى واقتضى؛ إذ الأصوليون لم يستخدموا كلمة قضى، بل استخدموا (اقتضى) والبون بينهما واسع، على أن المراد بـ (يقتضي) واضح[30].

الفائدة الثانية عشر:  إن المولى كما ينشأ من القول أمراً و نهياً كذلك ينشأ من الفعل والإشارة أمراً ونهياً ، وهما على  الحالتين مولوي وارشادي .
الفعل المولوي هو الفعل الصادر من المولى بما هو مولى، فلو أنشأ بالفعل أمراً وجبت إطاعته، كما لو أنشأ باللفظ أمراً، وهذا غير سابقه إذ هنالك إشارة للنهي، وهناك فعل هو عين النهي، وذلك كالمنع التكويني من الذهاب بيده، فليس له تنحيتها والذهاب.
كما أن هنالك فعلاً إرشادياً وهو الفعل الصادر من المولى بما هو ناصح، فلو (أعطى) بما هو مولى، وجب القبول واستحق العقاب بالرفض، وكذا لو (منع) بما هو مولى، فليس للعبد أن يقتحم، ولو أشار (أن خذ) أو (أن لا تأخذ) أي منشِأً الأمر أو النهي بها، وجب الامتثال.
ولو (أعطى) بما هو مشفق ومحب وناصح، لم يستحق العقاب بالرد، وكذلك لو (منع) لكونه مشفقاً، سواء قلنا بأن الأمر النصحي ـ والفعل كذلك ـ منه ما هو للوجوب[31] أم لا، فلو (منعه) من الذهاب بالإشارة بيده فإن كان بما هو مولى استحق العقاب بالمخالفة، ولو كان بما هو ناصح لم يستحق العقاب.
بحث تطبيقي :
ومن أمثلة الفعل  المولوي   ما لو نصبه ولياً بفعله ـ كأن أجلسه على عرشه مثلاً ـ ولعل كثيراً من أفعال الرسول الأعظم مع أمير المؤمنين وسبطيه صلوات الله عليهم كانت كذلك، وكذلك مع الأعداء أيضاً والمنافقين، كعزل هذا وذاك، أو حتى عدم نصبه فيما كان يتوقعه ويرومه.
وبذلك يظهر عدم انحصار إثبات ولاية الأمير عليه السلام بأقوال الرسول صلى الله عليه وآله، بل أفعاله أيضاً وما أكثرها، فإن فيها الدلالة البالغة، وهذا باب يفتح منه ألف باب بإذن الله تعالى، ويحتاج إلى تحرٍ واسع ومتابعة جيدة، ولعل الله يقيض بعض الأعلام الغيارى لذلك، إنه الموفق المستعان.
ومن الأمثلة نصبه علياً صلوات الله عليهما خليفة من بعده ـ في سفره ـ على المدينة، و عزله خالداً من الجيش بل و إرساله أبابكر وعمر لجيش أسامة، وكذا نفس رفعه يدَ علي عليهما السلام يوم الغدير؛ فإنها كلها أفعال وليست مقدمة فقط وليست حاكية فقط كما قد يتوهم، بل هي إنشاء أيضاً ؛ ومما يؤكد ذلك ويوضحه التزام الفقهاء بأن فعل المعصوم و تقريره[32]حجة كقوله؛ ففعله حجة سواء أخذت الحجية بمعناها اللغوي أي ما يحتج به المولى على عبده، أم عرفت بـالمنجِّز والمعذِّر كما ذهب إليه الآخوند قدس سره، أم بـالكاشف التام أو الناقص كما ذهب إليه الأصفهاني قدس سره، أم المحرك وهي الحجة التكوينية، أم لزوم الحركة على طبقه كما ذهب إليه جمع، أم ما أشبه ذلك.
نعم، لا يقع فعله عليه السلام) (أوسط) في القياس وهو ما ذهب إليه الشيخ في معنى الحجية تبعاً للمناطقة، بل ما يقع هو ما كشف عنه فعله، فتأمل.
وبذلك ظهر أن تقريره عليه السلام منه مولوي  ومنه إرشادي، وأن الإشارة  حجة ودلالتها معتمدة من الأخرس، بل ومن غيره أيضاً في الجملة، وهي من مصاديق الفعل إلا أنها أفردت بالذكر لكونها أظهر المصاديق وأكثرها دوراناً، ولذلك ذكروا أن إنشاء الأخرس الطلاق هو بوضع عبائتها على رأسها مثلاً ـ فيما عرف منه إرادة ذلك، فالإشارة أيضاً مولوية وإرشادية.

الفائدة الثالثة عشر: أن ذكر التعليل في الأمر أو النهي لا يمنع من المولوية فيهما بعد إعمال المولى مقام موليته فيهما.
 إن التعليل في الأمر أو النهي لا يمنع من المولوية فيهما ، فإن المولى لو أعمل مقام مولويته ثم استدل بعلةِ حكمهِ وسببهِ كان ادعى لاستجابة العبد وانقياده، نعم قد يستظهر من التعليل ـ أحياناً ـ كون الأمر المعلل إرشادياً، وذلك موقوف على مناسبات الحكم والموضوع والسياق، والمرجع في ذلك الفهم العرفي[33].
بحث تطبيقي:
في قوله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) [34] حيث إن الأمر المعلل بكونه محبوباً لله أو النهي المعلل بكونه مبغوضاً له - إذ هما وإن كانا من قبيل الضدين اللذين لهما ثالث -  إلا أن المتفاهم العرفي منه بغضهم لا عدم الحب فقط، فإنه بعد ملاحظة قرينة الحكم والموضوع فهو ظاهر في المولوية، فإذا كان (لا تسرفوا) مولوياً كان (كلوا) مولوياً كذلك، بدعوى أن عدم حب المسرفين في الأكل والشرب يلازم عرفاً حب الأكل والشرب باقتصاد وتوسط، فتأمل[35] [36].

الفائدة الرابعة عشر: لا مانع من توارد الأحكام الأربعة- أو بعضها - على مورد واحد، ولا يلزم من ذلك تعدد العقاب[37].
لا مانع من توارد الحكم العقلي والفطري وتطابقهما[38]،كما لا مانع من أن تتوارد الأحكام الأربعة فيحكم الشرع والعقلاء بما حكمت به الفطرة والعقل، إذ لا يوجد محذور ثبوتي يلزم من تعدد الأحكام،ومما يقرب ذلك للذهن وجود حجتين لله تعالى أحدها باطنة والأخرى ظاهرة وهما العقل والأنبياء.
لا يقال: يلزم من ذلك تعدد العقاب [39]؟
ويمكن رده بأجوبة خمسة:
الجواب الأول: أنه لا تلازم بين الإيجاب والعقاب، بل لو كان فهو بين الإيجاب واستحقاق العقاب بالمخالفة.
الجواب الثاني : بل لا تلازم بين الإيجاب واستحقاق العقاب على إطلاقه حتى فيما تعدد الحاكم بالوجوب،  سواء كان الحاكم العقل والشرع كما في (اعْدِلُوا)، أو الشرع مرتين
بعنوانين كما في (أَقِمِ الصَّلاَةَ) و(أَطِيعُوا اللهَ) ،فتأمل[40].
وبعبارة أخرى: لا تلازم بين الإيجاب واستحقاق عقاب آخر - وذلك كما في الأمر والإيجاب الثاني والثالث فإنه يترتب عليه نفس عقاب مخالفة الأمر والإيجاب الأول- ودعوى التأكيد لا يصار إليها بعد إمكان المولوية في الأمر الثاني ، حيث قد سبق ملاكها وهو متحقق كما لا يخفى.
الجواب الثالث: إمكان صحة أن يقال عند تعدد الأحكام[41] - بأمر متعدد -  بتداخل الأسباب، فكل منها علة للاستحقاق لو انفرد، والمجموع علة لو اجتمعت، ومآل هذا إلى عدم التلازم بين الإيجاب واستحقاق عقاب مستقل معلول له بمفرده، فالموجود هو استحقاق معلول واحد تداخلت علله.
وبذلك يندفع ما قيل من أن الأمر الثاني إرشادي لأنه لو كان مولوياً لزم استحقاق ثان لعقوبة أخرى.
الجواب الرابع: أن حكم العقل لا يستلزم استحقاق العقاب به بل عنده فقط،  نعم يلزم به حسن الذم فقط[42].
الجواب الخامس: ثم إنه لو فرض التلازم بين الإيجاب والاستحقاق وقلنا بعدم التداخل فانه يمكن القول: بأنه لا مانع عقلاً وعرفاً من ترتب استحقاقين للعقاب على مخالفة المستقل العقلي لو انضم إليه أمر الشارع بناء على المولوية، فإنه بحيثيتين[43]، ولا دليل من الشرع قام ظاهراً على خلاف ذلك ، وكذا على مخالفة (أَقِمِ الصَّلاَةَ) [44] فإنه يستحق العقوبة من حيثيتين ؛ حيثية تعلق أمر (أَقِمِ) به، وحيثية تعلق أمر (أطيعوا) به، وهو واضح في الملتفت لكون الأمرين مولويين.
وبذلك يندفع ما قيل من أن الأمر الثاني إرشادي لأنه لو كان مولوياً لزم استحقاق ثان لعقوبة أخرى[45] [46].
---------------

[1] أي المسبب .
[2] سورة المائدة : 3.
[3] أي الحلية.
[4] الاحتجاج : ج 2 ص 263 .  
[5] سورة التوبة : 122.
[6] المحاسن: ج1 ص229 .
[7]واللازم في المقام  الاحتياط  ؛ لأن المفروض تنجز التكليف بمفهوم مبين معلوم تفصيلا ،
[8] سورة الشورى: 38.
[9]  لكن المشكلة تكمن في الصورة الثانية والثالثة .
[10] بأن ذلك المركب الاعتباري الذي تعلق به امر الشارع .  
[11]  كما اشرنا إليه ، وكما سيأتي الجواب عن ذلك .           
[12]  سورة المائدة : 6.
[13]  أي النتيجة والأثر  المأمور به .
[14] لأن هذا شك في المحصل المأمور به ؛ وفي هذا الشك يكون المرجع إلى قاعدة الاشتغال لا إلى قاعدة البراءة ، ووجه ذلك لا يخفى .
[15] وهي الصورة الأولى من الصور الثلاث المتقدمة .
[16] وهي : المنطلق الثاني الذي سبق ذكره .
[17] سيأتي الجواب عن هذا الوجه والوجوه السابقة بإذن الله .
[18] سورة النساء : 43.        
[19] سورة الإسراء : 78.
[20] سورة آل عمران : 97.
[21] أي النتائج .
[22] سورة المائدة : 6.         
[23] الاجتهاد والتقليد: ص250.
[24] انظر: كفاية الأصول: 187، حيث قال: لمقام الثاني: في المعاملات: ونخبة القول: إن النهي الدال على حرمتها لا يقتضي الفساد، لعدم الملازمة فيها ـ لغة ولا عرفاً ـ بين حرمتها وفسادها أصلاً، كانت الحرمة متعلقة بنفس المعاملة بما هو فعل بالمباشرة، أو بمضمونها بما هو فعل بالتسبب بها إليه، وإن لم يكن السبب ولا المسبب بما هو فعل من الأفعال بحرام، وإنما يقتضي الفساد فيما إذا كان دالاً على حرمة ما لا يكاد يحرم مع صحتها، مثل النهي عن أكل الثمن أو المثمن في بيع أو بيع شيء.
نعم، لا يبعد دعوى ظهور النهي عن المعاملة في الإرشاد إلى فسادها، كما أن الأمر بها يكون ظاهراً في الإرشاد إلى صحتها من دون دلالته على إيجابها أو استحبابها، كما لا يخفى، لكنه في المعاملات بمعنى العقود والايقاعات، لا المعاملات  بالمعنى الأعم المقابل للعبادات.

[25] نظر: فوائد الأصول1: 471، حيث قال: إن النهي عن المعاملة تارة يكون للإرشاد إلى عدم حصولها، فهذا لا إشكال في كونه موجبا لفسادها.... وأما إذا كان النهي عن المعاملة مولوياً مفاده الحرمة، فتارة يتعلق بالسبب، وأخرى يتعلق بالمسبب، وثالثة يتعلق بآثار المسبب.... فالمراد من تعلق النهي بالسبب تعلقه بالإيجاد بمعناه المصدري، ويكون المحرم المنهي عنه هو إيجاد المعاملة وإنشائها والاشتغال بها، كالبيع وقت النداء، حيث إن المحرم هو الاشتغال بالبيع وقت النداء، لا النقل والانتقال، والمراد من تعلقه بالمسبب تعلقه بالموجد، بمعناه الاسم المصدري، ويكون المحرم المبغوض هو المنشأ والنقل والانتقال، كبيع المسلم والمصحف للكافر، حيث إن المبغوض هو نقل المسلم والمصحف للكافر، لا انشاء النقل، ومبغوضية الإنشاء لمكان ما يستتبعه من الأثر، وهو النقل والانتقال. إذا عرفت ذلك فنقول: إن النهي لو كان عن نفس الإيجاد والإنشاء والاشتغال بالمعاملة فهو لا يقتضي الفساد؛ إذ حرمة الإيجاد لا يلازم مبغوضية الموجد وعدم تحققه، وأما لو تعلق النهي بنفس المنشأ والموجد فهو يقتضي الفساد لخروج المنشأ حينئذٍ عن تحت سلطانه، ولا قدرة عليه في عالم التشريع، والمانع التشريعي كالمانع العقلي.
[26] انظر: الوصول إلى كفاية الأصول : ج2 : ص500 ـ 504.
[27] حفظ كتب الضلال: ص 375.
[28] انظر: مصباح الفقاهة1: 309.
[29] حفظ كتب الضلال: ص277.
[30] حفظ كتب الضلال: ص277.
[31] ـ كما التزمه الشيخ والميرزا الشيرازي قدس سرهما .
[32] وهو من مصاديقه.
[33] الأوامر المولوية والارشادة:ص198.
[34] سورة الأعراف: آية31.
[35] إذ قد يقال :بأن الحب والاستحباب ـ على فرضه ـ يعود للصفة أي الاقتصاد ،لا الموصوف.

[36] الأوامر المولوية والارشادة:ص228.
[37]  قد مرت الإشارة لهذا المطلب، وأتينا به هنا للتفصيل أكثر ولفوائد أخرى.
[38] بأن يحكم العقل بنفس ما حكمت به الفطرة.
[39] وهذا الإشكال هو نفس الإشكال الذي اتخذ سنداً لكون الأمر في مواطن المستقلات العقلية إرشادياً ؛ إذ لو كان مولوياً لزم العقاب في مثل أوامر الإطاعة وتعدده وإن لم يكن محالاً ذاتاً كأشكال التسلسل ، ولا وقوعاً كإشكال لزوم اللغوية ،إلا أنه خلاف الأدلة القائمة على وحدة العقاب.
[40] وجهه التفريق بين ما كان الحاكم النهائي بالوجوب متعدداً فإنه يستحق عقوبات متعددة كما لو أمره عدة موالي أو حكام ـ وكانوا في عرض واحد وكان هو رعية لهم أو مولى لهم جميهاً فرضاً ـ فإنه يستحق من كل منهم عقوبة، عكس ما إذا كان الحاكم النهائي بالوجوب واحداً وإن تعدد الحكام كما في المقام؛ حيث إن الحاكم النهائي هو الله وإن كان الحكام الوسطاء متعددين كالعقل والفطرة والعقلاء والشارع. وبعبارة أخرى: أن ملاك تعدد استحقاق العقاب هو إما تعدد الحاكم وكونهم عرضيين أو تعدد المصلحة أو المفسدة. والحاصل: أنه لا تلازم بين الإيجاب واستحقاق العقاب لو كان الحكام طوليين كالعقل والشرع أو كان الحاكم واحداً ، أما لو كانا متعددين مع مصلحة او مفسدة واحدة فبحاجة للتأمل، ولا يبعد الحكم بتعدد الاستحقاق عندئذ إلا لو تمحض أمر المولى في جهة المصلحة والمفسدة.
[41] شرعاً وعقلاً وفطرة، وعقلاء أو شرعاً.
[42] بيناه هناك في الثمرة ، ثم لا يخفى أن مرتبة هذا الجواب هو قبل الجواب الثاني ، ومآل هذا إلى أنه لا تلازم بين الإيجاب ـ أي ولو من العقل ـ وبين استحقاق العقاب  بسببه وإن كان مما يحدث عنده ، وغير خفي أيضاً أن هذا الجواب جار في مثل (اعْدِلُوا) لا في مثل (أَطِيعُوا اللهَ).
[43] أي يستحق العقاب من جهتين .
[44] الإسراء: ٧٨.
[45] وقد فصلنا هذا المبحث في موطن آخر فليلاحظ.
[46] فقه التعاون:ص279.

 

 

  طباعة  ||  أخبر صديقك  ||  إضافة تعليق  ||  التاريخ : 4 شوال 1438هـ  ||  القرّاء : 479



 
 

برمجة وإستضافة : الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net